روماني مكرم 3

عدّت سنة.
سنة كاملة من غير إهانة، ومن غير ما هي تجيب سيرة أمي في أي خناقة.
ما بقيناش مثاليين.
لسه بنختلف.
لسه ساعات صوتنا بيعلى.
بس أول ما واحد فينا يحس إن الكلام هيخرج عن السيطرة، بنسكت ونبعد شوية.
وفي يوم، رجعت من الشغل لقيتها قاعدة في الصالة ووشها متغير.
قولتلها:
— مالك؟
قالت:
— ماما كلمتني النهارده.
اتوترت.
لأن حماتي طول السنة اللي فاتت كانت علاقتها بيا رسمية جدًا.
سألت:
— حصل إيه؟
قالت:
— بابا تعبان شوية، ومحتاج عملية.
سكت.
وبعدين سألت:
— محتاجين حاجة؟
بصتلي باستغراب:
— إنت بتسأل بجد؟
— أيوه.
قالت:
— العملية مكلفة… وإخواتي مش معاهم المبلغ كله.
قعدت قدامها.
أنا كنت عارف إن عندي مبلغ محوشه عشان أغير العربية.
المبلغ تقريبًا كان يكمل تكلفة العملية.
فضلت ساكت شوية.
هي قالت بسرعة:
— أنا مش بطلب منك فلوس. أنا عارفة إنك محوشهم من زمان.
قولتلها:
— أبوكي مهما حصل بيني وبينه، راجل كبير ومحتاج علاج.
عينيها دمعت.
قالت:
— بعد اللي قالهولك يومها؟
ابتسمت:
— ما أنا كمان غلطت يومها.
اليوم اللي بعده، روحت المستشفى ودفعت المبلغ الناقص.
حمايا عرف بعد العملية.
ولما شافني، فضل باصصلي فترة طويلة.
وبعدين قال:
— أنا كنت ظالمك في حاجات كتير.
قولتله:
— وإحنا كلنا غلطنا.
مد إيده وسلم عليا.
كانت أول مرة أحس إن الراجل ده بيسلم عليا باعتباري ابنه فعلًا، مش مجرد جوز بنته.
لكن القصة ما انتهتش هنا.
لأن بعد العملية بأسبوعين…
حصل موقف رجّعني لليلة القديمة كلها.
كنا قاعدين عند أهلها، وأخوها دخل في خناقة كبيرة مع مراته.
صوتهم علي.
وفجأة سمعنا مراته بتقوله:
— ما أنت تربية أمك!
سكت البيت كله.
بصيت لمراتي.
وشها اتغير.
أخوها اتحرك ناحيتها بعصبية، ورفع صوته.
وقبل ما تتصاعد الأمور…
مراتي نفسها وقفت بينهم.
وقالتله:
— إوعى! مهما قالت، الأسلوب ده مش هيفيد.
فضلت أنا واقف مكاني.
وبصراحة…
الجملة دي فرحتني أكتر من أي اعتذار سمعته منها طول السنة.
لأنها ما بقتش بتقول الكلام عشان تراضيني.
هي فعلًا فهمت الدرس.
بعد حوالي ربع ساعة، جرس الباب رن.
حمايا فتح.
دخل أخويا الكبير، ومعاه أخويا الصغير وأختي.
كنت متوقع يدخلوا متعصبين.
لكن المفاجأة إنهم كانوا هاديين جدًا.
أخويا الكبير سلّم على حمايا وقال:
— إحنا مش جايين نعمل مشكلة. إحنا جايين نقفل مشكلة.
مراتي قالت بسخرية:
— ما شاء الله… العيلة كلها حضرت.
أختي بصتلها وقالت:
— لأ، مش كلها. أمي قاعدة في البيت لأن ضغطها علي بسبب الرسالة اللي بعتيها.
مراتي بصت بعيد.
أخويا طلع موبايله وحطه على الترابيزة.
قال:
— أنا ما كنتش ناوي أتكلم في الكلام ده، عشان أخويا كان عايش مرتاح معاكي.
بصيتله باستغراب:
— كلام إيه؟
فتح محادثة قديمة.
وكانت بين مراتي وأختي.
رسائل من شهور.
قريت أول رسالة:
“أخوك فاكر نفسه راجل البيت، وهو أصلاً طول عمره وسط أخواته.”
والرسالة اللي بعدها:
“أمك مدلعاكم زيادة عن اللزوم، وعشان كده ولا واحد فيكم يعرف الست تتعامل إزاي.”
رفعت عيني ناحية مراتي.
— الكلام ده حصل إمتى؟
أختي قالت:
— من حوالي سبع شهور.
زعقت:
— ومقولتيليش ليه؟
ردت:
— لأنك كنت بتحبها، وأمي قالتلي ما أخربش بيتك.
مراتي قالت بسرعة:
— كانت خناقة بيني وبين أختك!
أختي ردت:
— لأ. الخناقة كانت إنك طلبتي مني أقنع أمي تبيع دهبها وتديكم تمن عربية جديدة، ولما رفضت قلتي الكلام ده.
أنا حسيت الأرض بتتحرك من تحتي.
بصيت لمراتي:
— طلبتي من أمي تبيع دهبها؟
قالت:
— كنت بقول اقتراح وخلاص.
أخويا الصغير تدخل:
— وفي حاجة تانية.
طلع هو كمان موبايله.
وراني رسالة مراتي كانت باعتاها له من حوالي شهرين:
“لو أخوك كان اتربى صح، كان عرف إن مراته أهم من أمه وإخواته.”
حمايا نفسه بقى ساكت.
حماتي قالت:
— يعني إنتوا جايين تحاسبوا بنتنا على رسايل قديمة؟
أخويا الكبير رد:
— لأ يا حاجة. إحنا جايين نقول إن المشكلة أكبر من نقاش أو خناقة عادية.
وأشار ناحيتي وقال:
— وأخويا غلط لما قسوت طريقته، ومحدش فينا هيبرر ده.
بعدين بص لمراتي:
— لكن بنتكم بقالها شهور بتحتقرنا وإحنا ساكتين احترامًا لبيت أخونا.
مراتي انفجرت:
— أيوه! أنا مش طايقاكم! ارتحتوا؟
الصالة كلها سكتت.
حتى حمايا لف ناحيتها بسرعة.
قال:
— إنتِ بتقولي إيه؟
ردت وهي بتعيط من العصبية:
— من أول يوم جواز وأنا حاسة إني متجوزاه هو وأمه وإخواته! كل مناسبة عند أمه، كل قرار لازم يعرفوا، وكل حاجة “أمي قالت وأمي عاوزة”!
بصتلي وقالت:
— أنا زهقت أكون رقم اتنين في حياتك!
الجملة دي وجعتني.
لأن وسط كل الخلافات…
كان فيها جزء من الحقيقة.
لكن قبل ما أرد، أمي نفسها اتصلت بأخويا.
فتح السماعة.
صوتها طلع هادي جدًا:
— محدش يزعق في البنت.
سكتنا كلنا.
وكملت:
— وابني يسمعني كويس… لو مراتك غلطت فيا، ده ما يديكش الحق تفقد أعصابك.
بصيت في الأرض.
لكن أمي قالت جملة بعدها…
خلّت مراتي تعيط لأول مرة من وقت الخناقة.
قالت:
— وأنا مسامحاها في حقي… بس هي لازم تعرف إذا كانت عاوزة تكمل مع ابني ولا لأ من غير ما نكسر بعض أكتر من كده.





