حكايات زهرة 4

خرجت الكلمات من فم نرمين كحشرجة احتضار ممزوجة برائحة اللحم المحترق والدخان المتصاعد من وجهها وصدرها، قبل أن يسقط رأسها على التراب وتغيب عن الوعي تماماً، وجسدها ينتفض بارتعاشات متتالية من هول الصدمة العصبية والألم الحارق. المشهد كان يخلع القلوب من أماكنها؛ طارق ملقى على بطنه ووجهه مدفون في الوحل والأغلال تطبق على معصميه وهو يصرخ ويستعطف ضباط المباحث أن يتركوه، متبرئاً من كل شيء ويزعم أن نرمين هي التي خططت ودبرت واستدرجته بعد فضيحة القاعة لتنتقم من عائلة عمها بأي ثمن.

أحمد كان يقف متسمراً، يده ترتعد وعيناه معلقتان بنرمين التي كانت تتلوى كدودة احترقت بنار جهنم الدنيوية، نفس الوجه الذي كان يتبختر في الكوشة بفستان الزفاف المسروق منذ ساعات قليلة، تحول الآن إلى كتلة متفحمة مشوهة يستحيل على العين البشرية النظر إليها دون ذعر. تقدم رجال الإسعاف برفقة قوة الشرطة، ووضعوا نرمين على المحفة على عجل وهم يغطون جسدها بملاءات معقمة وسط صياح المسعف بضرورة نقلها الفوري إلى قسم الحروق بمستشفى القصر العيني الجديد تحت حراسة مشددة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حياتها.

التفت الضابط عصام نحو أحمد ونحوي، وعيناه تشتعلان بتركيز حاد واستنفار أمني كامل، وأمسك بجهاز اللاسلكي ليخاطب غرفة العمليات بصوت صارم: “إخ. طار عاجل للنيابة العامة وقطاع الأمن العام ومأمور قسم الشرطة… تم ضبط المتهم الأول (طارق) والمتهمة الثانية (نرمين) في واقعة الشروع في الق. تل والتهديد، والمتهمة أدلت قبل فقدان الوعي باعتراف صريح بوجود جر. يمة ق. تل مطمورة داخل عقار كائن بدائرة القسم. .. تحريك قوة من الأدلة الجنائية وفرق الحفر إلى عنوان العقار فوراً”.أنهى الضابط اتصاله والتفت إلى أحمد الذي كان وجهه بلون الشيد الأبيض وقال بصوت جهوري: “يا حاج أحمد، البنت دي قالت (بدروم العمارة القديمة).

.. العمارة اللي انتو عايشين فيها دي تحتيها بدروم مقفول؟!”أحمد ابتلع ريقه بصعوبة بالغة، وأسند يده على كتف الضابط كأنه سيسقط من فرط الصدمات التي تتوالى على رأسه كالمطارق، وقال بصوت متحشرج خافت: “البدروم… البدروم مقفول من تلاتين سنة يا باشا… من قبل ما أبويا يموت بسنة واحدة! عبلة وقتها قالت إن البدروم ده فيه مية جوفية ورشح مجاري ومسكون بالحشرات، ومحمد أخويا جاب بنايين بالليل وبنوا عليه حيطة طوب أحمر مصمتة وقفلوا الباب بالأسمنت، وقالوا بنحموا أساسات البيت عشان متقعش!

ومحدش فينا نزل البدروم ده من يومها ولا داس عتبته! “نظرتُ إلى أحمد، وتذكرتُ في تلك اللحظة بالذات تفصيلاً كان قد غاب عن ذاكرتي لعقود طويلة؛ تذكرتُ شقيقة حمايا الصغرى، عمتهم “صفية”، الفتاة الطيبة البسيطة التي كانت تعيش مع والدهم الحاج رضوان في نفس البيت، وكانت الوريثة الشرعية الوحيدة معه في تركة الأراضي والدكاكين القديمة قبل أن يُعلن فجأة قبل وفاة الحاج رضوان بسنة أنها هربت مع شاب من خارج الحارة واختفت إلى الأبد دون أن تترك أثراً، الخبر الذي كسر ظهر أبيها الحاج رضوان يومها وجعله ينطوي على نفسه ويمرض حتى لحق بها في ظروف مريبة!

1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *