حكايات زهرة 4

.. وفي عظام بشرية كاملة ومعاها مصاغ دهبي قديم!”عم الوجوم والصدمة المكان كأن ملك الموت دخل الحارة برمتها. أخرج رجال الشرطة رفات الجثة بحرص، جمجمة صغيرة وعظام قفص صدري بالية، وبقايا قماش فستان كحلي باهت كان الجميع في العائلة يعرف أن “صفية” كانت ترتديه في آخر يوم شوهدت فيه، وبجوار الرفات كانت هناك أسورة ذهبية محفور عليها اسم “صفية رضوان”، الخاتم والأسورة التي ادعت عبلة يومها أن الفتاة سرقتهما وهربت بهما!
أحمد لم يحتمل المشهد، فجثا على ركبتيه في تراب المدخل، يمسك بجمجمة أخته المغدورة ويضمها إلى صدره وينتحب كطفل رضيع ذُبح أهله أمامه، والرجال من حوله يبكون لمصابه ولهول الفاجعة التي انكشفت بعد ثلاثين عاماً من الكذب والبهتان. عب مطلق حين رأت جمجمة صفية وأسورتها الذهبية فوق طاولة الفحص الجنائي، ورأت زوجها أحمد يبكي دماً على عتبة الباب. لم تستطع الوقوف على قدميها، بل انهارت وسقطت على الأرض تزحف تحت نظرات مئات العيون من أهل الحارة الذين أخذوا يرجمونها بالبصاق واللعنات والشتائم كأنها شيطان أُرجم في وضح النهار.
!”نظرت عبلة إلى الرفات، ثم نظرت إليّ وأنا أقف بجوار ابنتي حنان التي كانت تحتضن أباها المنكوب، وفجأة، تحولت نظرة الرعب في عيني عبلة إلى هستيريا جنون مطبق؛ ضحكت بصوت عالٍ مجنون ملأ الشارع كله، ضحكة متقطعة تشبه نعيق الغربان، وبدأت تنتف شعرها وتلطم صدرها وتصرخ بأعلى صوتها: “أنا مق. تلتهاش لوحدي! محمد هو اللي خنقها بإيديه وهي نايمة عشان كانت عايزة تبيع نصيبها وتتجوز وتسيب البيت!
ومحمد هو اللي حط السم لأبوه عشان كان هيكتب العمارة لأحمد! ومحمد مش مشلول… محمد بيمثل في المستشفى عشان يهرب من حبل المشنقة، ومحمد معاه مفتاح الخزنة التالتة اللي فيها نص مليون دولار دهب مسروق من ورث العيلة في شقة تانية في الهرم. .. وأنا مش هموت لوحدي، الكل هيدخل معايا القبر!
“وفي غمرة هذا الاعتراف الذي زلزل أركان الجميع، توقفت دراجة نارية مسرعة أمام الكردون الأمني ونزل منها شاب يرتدي زي المستشفى الأبيض يلهث بشدة، وركض نحو الضابط عصام وهمس في أذنه بكلمات جعلت وجه الضابط ينقبض بدهشة مرعبة، ثم التفت الضابط نحو النيابة والجميع وقال بصوت مرتجف غير مصدق: “محمد مش في المستشفى… محمد هرب من العناية المركزة في القصر العيني بعد ما غافل الحراسة، وشهود شافوه داخل عمارة تانية في الحي المجاور ومعاه سلاح ناري. .. ومتجه دلوقتي لمكان تاني خالص مكنش على بال حد فينا!”سقطت الكلمات على رؤوسنا كأن السماء انشقت وأمطرت حجارة من سجيل.





