حكايات زهرة 4

وصلنا إلى شارع جانبي هادئ متفرع من شارع فيصل بالهرم، توقفت سيارات الشرطة على مسافة آمنة دون إطلاق صفارات الإنذار حتى لا يشعر الهارب بأي حركة غير طبيعية. كانت البناية قديمة ومكونة من ستة طوابق، واجهتها باهتة لا توحي بأن بداخلها كنزاً مسروقاً من دماء الموتى وعرق المظلومين. تسللت قوات العمليات الخاصة بأسلحتهم الرشاشة والسترات الواقية عبر مدخل البناية، وصعدنا خلفهم بخطوات حذرة تحبس الأنفاس، حتى وصلنا إلى الطابق الرابع أمام الشقة رقم (12).

كان باب الشقة موارباً بضعة سنتيمترات، وضوء خافت ينبعث من صالة الاستقبال، ومعه صوت حركة متوترة وسريعة، صوت تكسير أقفال حديدية وحشرجة أنفاس لاهثة. تقدم الضابط عصام وأشار للفرقة بالاستعداد، وبضربة قدم احترافية واحدة، اقتحم رجال الشرطة الباب وسقطت الدرفة الخشبية لتصطدم بالجدار بعنف مدوٍ، وصرخ الضباط بصوت واحد كالرعد: “أثبت مكانك! ارمي السلاح ونزل إيدك على راسك!”في منتصف الصالة، كان محمد يقف مذهولاً، جاحظ العينين كشيطان حُوصر في قفص من نار.

لم يكن مشلولاً ولا عاجزاً كما ادعى في المستشفى، بل كان يقف على قدميه بكامل قواه، يرتدي ملابس رثة ملطخة بالغبار، وفي يده اليمنى فرد خرطوش مصوباً نحو الباب، وبيده اليسرى حقيبة جلدية عتيقة مفتوحة تلمع من داخلها سبائك ذهبية ورزم من الدولارات وعقود أراضٍ قديمة صفراء. ! انت اللي جيبتهم ورايا يا ابن أمي وأبويا؟! انت اللي جاي تسلم أخوك لحبل المشنقة عشان شوية طوب وورق؟! مفكرتش في صلة الرحم اللي بينا؟! مفكرتش في بنتي نرمين اللي وشها اتحرق وبتموت في المستشفى وعبلة اللي رمتوها في السجن بالحديد؟!

“تقدم أحمد خطوة واحدة للأمام دون خوف من السلاح المصوب نحو صدره، ونظر إلى محمد بنظرة احتقار أشد قسوة من كل رصاصات الدنيا، وقال بصوت هادئ جداً لكنه كان يهز جدران الغرفة: “صلة رحم؟ ! انت بتنطق كلمة رحم بلسانك اللي كذب تلاتين سنة يا قاتل؟! نسيت صلة الرحم يوم ما خنقت صفية أختك بايديك عشان حتة شقة ودكانة؟ ! نسيت صلة الرحم يوم ما حطيت السم لأبوك الحاج رضوان في كباية الشاي عشان تسرق توكيله وتخليه يموت وهو بيبص في السما ومش فاهم ابنه بيعمل فيه كده ليه؟

! انت مش أخويا… انت ورم خبيث ربنا كشفه وفضحه لما جه الوقت المعلوم!”تشنج وجه محمد بالجنون، وسالت قطرات العرق الباردة على لحيته الشعثاء، وارتفع صوته بنواح هستيري وهو يرفع السلاح أكثر: “أنا مكنتش عايز أق. تل حد! هما اللي اضطروني! صفية كانت هتدمر كل حاجة وتبيع نصيبها لغريب، وأبوك كان هيديك انت العمارة كلها ويحرمني أنا عشان شايفني فاشل! أنا عملت كل ده عشان أعمل لنفسي اسم، وعبلة هي اللي كانت بتخطط وتجيب السم وتزور التوقيعات! انتو مفكرين إني هسيبكم تتهنوا؟! والله ما هيخرج من الأوضة دي حد حي!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *