حكايات زهرة 4

ومحدش فينا نزل البدروم ده من يومها ولا داس عتبته! “نظرتُ إلى أحمد، وتذكرتُ في تلك اللحظة بالذات تفصيلاً كان قد غاب عن ذاكرتي لعقود طويلة؛ تذكرتُ شقيقة حمايا الصغرى، عمتهم “صفية”، الفتاة الطيبة البسيطة التي كانت تعيش مع والدهم الحاج رضوان في نفس البيت، وكانت الوريثة الشرعية الوحيدة معه في تركة الأراضي والدكاكين القديمة قبل أن يُعلن فجأة قبل وفاة الحاج رضوان بسنة أنها هربت مع شاب من خارج الحارة واختفت إلى الأبد دون أن تترك أثراً، الخبر الذي كسر ظهر أبيها الحاج رضوان يومها وجعله ينطوي على نفسه ويمرض حتى لحق بها في ظروف مريبة!

صرختُ بملء صوتي في عتمة الحقل وأنا ألطم صدري: “صفية! صفية مكنتش هربانة… صفية اتدفنت حية تحت رجلين عبلة ومحمد عشان ياخدوا نصيبها في العمارة ويصفوا التركة لوحدهم!”سقطت دمعة حارقة من عين أحمد كوت خده، واهتز جسده بالكامل بنوبة بكاء قاهر وهو ينظر إلى السماء ويصيح بصوت يفتت الصخر: “يا ولاد الكلب!

ق. تلتوا أختي الوحيدة؟! ق. تلتوا عمتي وعريتوا سمعتها في الحارة وقولتوا هربت مع راجل غريب عشان تبلعوا ورثها وورث أبويا؟! يا قهار يا منتقم. .. يا رب سيبت الحبل ليهم تلاتين سنة عشان تفضحهم الموتة دي والخراب ده كله؟ !”ركبنا سيارات الشرطة التي انطلقت بأقصى سرعة، تطلق ساريناتها المدوية وتشق ظلمات الصباح الباكر في طريق العودة إلى حارتنا الشعبية. لم تكن الساعة قد تجاوزت السادسة صباحاً، لكن الحارة كانت قد استيقظت بالكامل عن بكرة أبيها؛

فالخبر انتشر كالنار في الهشيم حين رأى الناس أربع سيارات أمن مركزي وسيارة الأدلة الجنائية وسيارة وكيل النيابة تتوقف أمام مدخل العمارة. خرج أهالي الحارة رجالاً ونساءً وشباباً، يملأون الشرفات والشوارع الجانبية في حالة ذهول وترقب لم تشهد المنطقة مثيلاً لها في تاريخها. نزلنا من السيارات، وتقدمت قوة أمنية تحمل المطارق الحديدية الثقيلة ومعدات التكسير وأجهزة الإضاءة الكاشفة، ورافقهم وكيل النيابة الذي أمر بفرض كردون أمني ومنع أي شخص من الاقتراب. نزل أحمد يتقدمهم إلى أسفل السلم حيث يقبع الجدار الأسمنتي القديم الذي تم بناؤه منذ ثلاثة عقود؛

جدار كالح تراكمت عليه خيوط العنكبوت والغبار، وكان يُخفي وراءه سر العائلة الملعون. بدأت ضربات المطارق تنهال على الجدار بقوة واهتزازات عنيفة رجت مدخل العمارة، ومع كل طوبة حمراء تتساقط، كانت تفوح رائحة رطوبة وعفونة خانقة حبست أنفاس الواقفين. انهار الجدار أخيراً وفتح فجوة مظلمة موحشة، فسلط رجال الأدلة الجنائية الكشافات القوية داخل البدروم الضيق، ونزل فريق المباحث بحذر وهم يرتدون الكمامات الواقية. لم يمضِ سوى ربع ساعة من النبش وإزالة الردم والتراب في الزاوية الغربية أسفل صبة العمود الخرساني، حتى صرخ أحد أفراد الأدلة الجنائية بصوت متوتر: “لقينا كيس بلاستيكي مدفون تحت البلاط.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *