طعم ف يد اليفة ج٢

مضت الساعات سريعًا، حتى أقبل الليل بسكونه، لكنه لم يحمل السكون إلى قلب خديجة؛ فقد كان صدرها يضج بخفقات متلاحقة، كلما تذكرت حديث والدتها، وكلما تخيلت أن حبها لعبد الرحمن قد يصطدم بما تراه أمها من مخاوف.
وفجأة، أضاء هاتفها برسالة.
رسالة واحدة… لم تحمل سوى كلمتين:
_خديجتي.
توقفت أنفاسها للحظة.
مدت أناملها المرتجفة، ومررتها فوق الحروف، وكأنها تخشى أن تختفي إن لمستها.
«خديجتي»…
كلمته الصغيرة كانت كافية لأن تُربك قلبها كله؛ تشعرها أنها تخصه، وأن بينهما شيئًا لا يشبه أي شيء آخر، شيئًا اختصره في نداءٍ واحد، لكنه كان بالنسبة إليها وطنًا كاملًا.
اغرورقت عيناها بالدموع، وابتسامة باهتة ارتجفت فوق شفتيها…
لحظات اخرى ليرتفع الهاتف مرة أخرى
خديجتي…
خُذلتُ من الدنيا،
فكنتِ أنتِ جبرَها.
ودُرتُ في طرقات العمر طويلًا،
حتى وجدتُ في عينيكِ طريقي.
خديجتي…
يا خاءَ خَفقِ قلبي حين أراكِ،
ويا دالَ دُعائي حين أرجو الله أن يجمعني بكِ
ويا جيمَ جُرحي الذي لم يبرأ إلا بقربكِ،
ويا ياءَ يقيني بأنكِ أجملُ ما ادّخره الله لقلبي.
خديجتي…
ما كنتِ اسمًا أناديه،
بل كنتِ وطنًا كلما ضاقت بي الحياة،
عدتُ إليه.

خديجتي…
أنتِ لستِ امرأةً أحببتها فحسب،
أنتِ الدعاء الذي أخشى أن أرفع يدي عنه،والحلم الذي أخاف أن أستيقظ منه،
والقلب الذي بعدما وجدته…
لم يعد قلبي يعرف كيف يعيش بعيدًا عنه.
فإن سألتِيني يومًا: لماذا تقول «خديجتي»؟
سأقول لكِ:
لأن كلمة أحبكِ لا تكفيني،
وكلمة حبيبتي لا تشبه ما أشعر به،
أما خديجتي…
فهي اختصارٌ لكل امرأةٍ تمنيتها،
وكل دعوةٍ دعوتها
وكل ليلةٍ انتظرتكِ فيها
وكل حياةٍ أتمنى أن أعيشها معكِ.
تمددت على الفراش، وتبسمت تنظر للهاتف، ترى بين حروف كلماته صورها

أما في الجهة الأخرى…
فقد ظل عبد الرحمن ممسكًا بهاتفه، ينتظر ردها.ثوانٍ…ثم دقائق…ثم طال الانتظار.
أطلق زفرة هادئة، ونهض من مكانه، واتجه إلى شرفة غرفته.
وقف وأسند كفيه إلى السور، ورفع عينيه نحو النافذة المقابلة.
كانت غرفتها مضاءة.
ظل ينظر إليها طويلًا، وكأن
تمتم بحنينٍ أرهقه:
_إمتى يا خديجة تبقي معايا؟
رفع عينيه إلى السماء الصافية، فبدت النجوم متناثرة فوقها، فضحك بخفة وهو يتخيل وجهها بينها.
وكأنه لم يعد يرى في السماء سوى عينيها.
جاء صوت والدته من خلفه:
_خالد مردش عليك لسه؟
استدار إليها.
_لا… خليهم براحتهم، إحنا كنا لسه إمبارح.
اقتربت منه، ثم وقفت إلى جواره.
_ماشي يا حبيبي، بس إحنا من نفس الشارع، يعني مش لسه هيسألوا علينا.
تنهد عبد الرحمن، وعادت عيناه إلى نافذة خديجة.
_مش مهم يا ماما… المهم إنها موافقة.
تأملته والدته لحظات، ثم ضيقت عينيها في دهشة:
_إنت اتكلمت مع خديجة؟
التفت إليها، ولمعت عيناه بابتسامة عجز عن إخفائها.
_آه… ربنا يقرب البعيد إن شاء الله.
رفعت والدته يديها إلى السماء:
_ربنا يجعلها من نصيبك يا حبيبي يا رب.
ابتسم عبد الرحمن، وكأن دعاءها وحده كان كفيلًا بأن يطمئن قلبه.
سحبته والدته من يده كطفلٍ صغير، وأجلسته أمامها، ثم قالت وهي تهزهز رأسها:
_بقولك إيه… لازم تبطل بعزقة فلوس شوية. لم إيدك، ومش كل حاجة عمر يطلبها تديهاله.
رفع حاجبيه باستغراب:
_إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ عمر مش طفل، ده راجل.
_ما هو علشان كده بقولك لم نفسك من المصاريف يا ابني. إنت داخل على جواز، ولسه وراك حاجات كتير.
تنهد عبد الرحمن:
_إن شاء الله نتكلم بعدين.
نهض، لكنها وقفت أمامه تمنعه من الهروب من الحديث.
_لا، دلوقتي يا عبد الرحمن. شقتك عايزة شغل كتير، غير العفش والشبكة والمؤخر، وأنا عايزاك متشلش هم عمر. معاش، أبوك هيكفينا.
تغيرت ملامحه قليلًا.
_هنرجع تاني نتكلم في معاش بابا يا ماما؟ إحنا اتكلمنا كتير في الموضوع ده.
_وأنا بقولك إني كنت بوافقك زمان علشان مكنش عندك مسؤوليات، لكن دلوقتي…
قاطعها بهدوء، لكن بنبرة لا تقبل النقاش:
_ماما… إنتوا مسؤوليتي الأولى.
سكتت.
أكمل وهو ينظر إليها بحنان:
_وبعدين أنا هتجوز في البيت هنا. البيت كبير، يعني الشقة هعبيها.
ضربت والدته على صدرها من الصدمة:
_اتجننت؟ تبيع شقة جوازك؟! وإيه يعني تتجوز هنا؟ يابني، مش إنت كنت عايز تخرج من المكان ده أصلًا؟
سكت عبد الرحمن لحظة.
ثم قال:
_ممكن نتكلم بعدين يا ماما.
هزت رأسها بإصرار:
_لا… دلوقتي يا عبد الرحمن.
نظر إليها طويلًا، ثم أطلق زفرة عميقة، وقال:
_طيب يا ماما… أنا كنت عايز أخرج من المكان علشان خديجة. كده كويس؟
انعقد حاجباها.
_يعني إيه؟ مش فاهمة.
ابتسم ابتسامة موجوعة، وقال:
_يعني كنت مفكرها مرتبطة بشخص تاني.
صمتت والدته.
_وعلشان كده مكنتش هقدر يا ماما أبقى في نفس المكان… حتى لو اتجوزت غيرها.
ارتجف صوتها وهي تناديه:
_عبد الرحمن…
رفع عينيه إليها.
ظلت تنظر إلى وجه ابنها طويلًا، وكأنها ترى للمرة الأولى مقدار ما حمله قلبه طوال الفترة الماضية.
ثم قالت بصوت خافت:
_إنت لدرجة دي بتحبها يا ابني؟
مرر يده فوق شعره، وكأن السؤال أصاب أعمق مكان في قلبه.
ثم ذهبت عيناه دون إرادة منه إلى نافذتها المضيئة.وتبدلت ملامحه كلها.
فلقد هدأت ابتسامته، وامتلأت عيناه بالسعادة وهمس:
_ادعيلي يا ماما…
التفتت إليه، فتابع برجاء
_ادعي ربنا يلم شملنا.
وضعت كفها على كتفه، وابتسمت والدموع تلمع في عينيها:
_يارب يا حبيبي… يارب تكون من نصيبك، ويجمعكم على خير.
ثم نظرت إلى النافذة المقابلة، وأضافت بحنان:
_المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين
وكله قدر ونصيب
قبل رأس والدته ونظر بساعته
_هعدي على عادل شوية، رجع من السفر ومشفتوش
_طيب ياحبيبي، في تلك اللحظة دلف عمر من الخارج ملقيا السلام
_السلام عليكم ورحمة الله
_وعليكم السلام، حمد الله على السلامة، ايه اللي اخرك كدا
_خلاص ياعبود الامتحانات على الابواب، لازم استعد لها كويس
اقترب من اخيه، وربت على كتفه
_عمر، انا واثق فيك، يارب متخيب ثقتي
_عيب ياعبد الرحمن انا تربية سلطان الديب برضو
_ربنا يوفقك، قالها وتحرك للخارج، ووالدته تتابعه بعينها
_ماما انا واقع من الجوع
_طيب حبيبي، غير هدومك هجهزلك الغدا
_اوعي تقولي لسة هتطبخي، انا هموت واكل
_بعد الشر عليك ياواد، ماقولت لك غير لما اجهز
حاوط اكتاف والدته وتحرك بها الى المطبخ
_طابخة ايه ياام عبدالرحمن
توقفت تنظر اليه برفعة حاجب
_شوربة عدس
_يادي النيلة علي وعلى سنين شوربة العدس بتاعتك، كرهتيني في الشتا يما
ضحكت على حركاته واتجهت الى المطبخ
_غير ياابو لسان طويل، لحد مااجهز لك الاكل
_لا خلاص اكل ايه، انا شبعت، قال شوربة عدس، ربنا يسامح اللي اخترعها، ماله المحشي، مالها البشمايل ماله الجمبري، ماله… صمت يحك رأسه من الخلف
_الجوع خلاني افكر ابقى طباخ، والله يايما لاتعلم الطبخ
بعد قليل وصلت اليه بصينية الطعام
_انت اتجننت وواقف تكلم نفسك ولسة مغيرتش
نظر للطعام الذي بيدها، ثم رفع عينه اليها
_ايه دا، مش كنتي بتقولي عاملة شوربة عدس
وضعت صينية الطعام وضربت يدها ببعضهما
_حمضت، فدلقتها، يلا غير وصلي، وكل وبطل تكلم نفسك ياابو بطن حمضانة
نهض متجها اليها سريعا، وانحنى يقبل كتفها
_احسن حسناء في الدنيا
_لا ياشيخ، طيب ياخوي كل
_ماهو انت اللي خضتيني، فيه حد يخض حد كدا، شوربة عدس ايه ياامي
اشار للطعام
_مالها الكفتة العسل دي والحواشي، اموت فيكي ياحسناء وانت بتفكري في ابنك وهو في الدرس
خرجت وهي ترفع يدها
_يارب صبرني، اللي يسمعه يقول مفجوع ومبيطلش اكل
_حسناء
التفتت اليه، غمز وقال
_كوباية شاي من بتاعة عوف الله يسترك دنيا واخرة
_هو انت مش كنت هتنام ياواد
_لا عايز احب شوية
توسعت عيناها بذهول
_تحب في مين ياموكوس، ذاكر ياحبيبي، ذاكر يااخوي، قال تحب
_بلاش احبك ياحسناء، طيب انت حرة، قطعتي بنصيبك
ضحكت وخرجت من الغرفة، وقلبها ينبض له بالدعاء
عند عبد الرحمن، وصل الى منزل صديقه
_نورت مصر ياعدولة
_بنورك ياعبد الرحمن، عامل ايه، سألت عليك عنر، قالي مابترجعش غير بالليل
_انا كويس الحمدلله، الدنيا تمام
طالعه عبد الرحمن بتدقيق
_راجع المرة دي كويس ماشاء الله
_اه الحمدلله، هسافر مرة كمان، وهستقر بقى، عايز اتجوز واسس اسرة
_ربنا يوفقك يارب
_ايه اخبار البلد مفيش تغيير
هز عبد الرحمن كتفه وقال
_مفيش تغيير
_مش عايز تجرب حظك يابني، انت شغلتك تكسبك دهب، ليه ماسك هنا
_مقدرش اسيب امي واخويا، مش حابب فكرة السفر كمان، ورزق هنا رزق هناك
_الله المستعان ياصاحبي
بمنزل خديجة
كانت تتمدد على فراشها، تقلب الهاتف بين يدها، الى أن فتحته وكتبت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *