طعم ف يد اليفة ج٢
بعد فترة، كانت تستند إلى صدره، تسرد له ماحدث :
_يوم ما كنت رايحة لماما، هو كان في الورشة، ورايح شغله وقف العربية وطلب يوصلني للموقف، خديجة كانت معايا وقتها علشان الشنطة كانت تقيلة وقالت هتوصلني للموقف، فهو لما وقف وطلب يوصلني، هي مشيت، سألني عليها. فقلت له إنها أختك. ومن ساعتها وهو كل يوم يتصل ويسأل.
اعتدل خالد قليلًا، ونظر إليها بجدية:
_ويتصل بيكي ليه يا جيهان؟ وليه مقاليش؟
ابتسمت بثقة:
_اصبر بس… هو كان عايز يجس نبض. ماهو برضه مش قليل، وخايف يترفض.
صمت خالد لحظة، ثم قال بعفوية:
_نرفضه ليه؟
تجمدت ابتسامتها للحظة، ثم اعتدلت في جلستها بارتباك:
_آه… لا، مش قصدي. يعني… دي الأصول.
ظل خالد صامتًا، يفكر فيما قالته، ثم تمتم:
_بس أنا اديت عبد الرحمن كلمة.
انتفضت جيهان كأنها لُدغت:
_يعني قلت له موافق؟
_أيوه… وقلت له هشاور خديجة.
نهضت من مكانها دفعة واحدة، وأخذت تدور في الغرفة، وقد بدأت ملامح الضيق تظهر على وجهها.
ثم توقفت فجأة.استدارت إليه، وقالت بنبرة حاسمة:
_خلاص، لو سألك قوله خديجة لسه بتفكر.
صمتت لحظة، ثم رفعت إصبعها وكأن فكرةً خطيرة خطرت لها للتو:
_ولا أقولك…
اقتربت منه، وانحنت قليلًا وهي تبتسم ابتسامة غامضة:
_استنى… أنا هقولك تعمل إيه.
نظر إليها خالد:
_إيه اللي بتخططي له يا جيهان؟
اتسعت ابتسامتها.. وصعدت الفراش بجواره
_تعالى اقولك سر،
بغرفة خديجة، وقفت أمام المرآة تعدّل وضع حجابها، تمرر أناملها فوق أطرافه بعناية
في تلك اللحظة، دلفت والدتها إلى الغرفة، وقالت بحنان:
_حبيبتي، معاكي فلوس ولا أطلب من أخوكي؟
التفتت إليها خديجة، وابتسمت ابتسامة لم تصل لعيناها:
_معايا شوية يا ماما… ادعي لي بس أتقبل في الشغل.
اقتربت منها والدتها، وربتت على كتفها:
_إن شاء الله تتقبلي يا حبيبتي. اهو أي حاجة تسليكِ لحد ما النتيجة تظهر.
أومأت خديجة بحماس:
_أيوه، هما الأول بيدونا قرص تعليمي عن الأطفال، وبعد كده بيعملوا اختبارات. المؤسسة دي كبيرة أوي يا ماما، ونفسي أشتغل فيها.
ابتسمت الأم، ورفعت يديها بالدعاء:
_ربنا يوفقك يا بنتي، ويكتب لكِ فيها الخير.
اتجهت خديجة إلى حقيبتها اليدوية، ارتدتها على كتفها، ثم عادت إلى والدتها، وطَبعت قبلة حانية على وجنتها.
_يلا… اتأخرت.
احتضنتها والدتها للحظة:
_ربنا يوفقك يا حبيبتي… ويجبر خاطرك، ويفتح لكِ أبواب الخير من حيث لا تحتسبي.
ابتسمت خديجة، ثم خرجت.
خرجت وقلبها يحمل حلمًا صغيرًا بحجم العالم…
كانت تتمنى أن تفتح لها الحياة ذراعيها أخيرًا، أن تمنحها فرصةً تثبت بها نفسها، وأن تبدأ طريقًا جديدًا لا يحمل من الماضي إلا ما تعلمته منه.
لكنها لم تكن تعلم أن يومها الذي خرجت إليه بأحلامها، سيحمل إليها ما لم تستعد له.. كان واقفًا بشرفة منزله بيده سيجارته كعادته يتحدث بهاتفه، لمحها وهي تغلق باب المنزل وتتحرك للمغادرة، انهى المكالمة سريعًا، ثم اتجه الى رقمها يهاتفها، ارتفع رنين هاتفها بحقيبتها، فتحت الحقيبة واخرجته، وجدت اسمه ينير الشاشة كما ينير قلبها، التفتت تنظر الى منزله، وجدته بالشرفة اشار بعينه للهاتف ان ترد عليه
تابعت طريقها وهي تجيب
_السلام عليكم ورحمة الله
توقفت انفاسه للحظة وهو يستمع اليها
_وعليكم السلام ورحمة الله، رايحة فين دلوقتي
_عندي مقابلة شغل، ادعي لي
_ادعي لك… يعني مكنش ينفع تبعتي وتقولي انك خارجة
_معلش ياعبد الرحمن، نسيت او… قاطع حديثها غاضبًا
_نستيني ياخديجة
تجمدت بتحركها
_ايه اللي بتقوله دا
_استنيني هاجي اوصلك، وبعد كدا مفيش اي مشوار من غير مااعرف
_عبد الرحمن مفيش داعي للكلام دا، وبعدين احنا لسة مفيش بينا حاجة رسمي، هتخرج معايا بنائًا على ايه
_بنائا على انك تخصيني ياخديجة، بناء على وعودنا، ولا كان كلام وبس
_عبد الرحمن… ممكن نتكلم بعدين
_لا.. قولت استني هوصلك
_وأنا قولت لا، مينفعش، لما تبقى خطيبي ومكتوب كتابنا يبقى اعمل كما يحلو لك
_دا اخرك ياخديجة
_لو سمحت ياعبد الرحمن، انا نازلة انترفيو، ادعي لي ربنا يوفقك
_ان شاء الله مش هتتقبلي ياخديجة
قالها وأغلق الهاتف، نظرت للهاتف بذهول، ثم لاحت ابتسامة ناعمة على وجهها، وتحركت بطريقها وحديثه مازال يداعبها كنسيم الصباح
صمتت تسب نفسها
_اتجننتي خلاص، دا قفل السكة في وشك وبيدعي عليكي
رد قلبها وكأنه رافض اي حديثًا سوى النبض
_بس بحبه ومجنونة بحبه وغيرته
وصلت إلى الطريق العام، توقفت تنتظر سيارة تقلّها إلى موقف السيارات.
مرت دقائق…ثم أخرى.
كانت تنظر إلى ساعتها بين الحين والآخر، حتى توقفت أمامها سيارة فارهة.
فُتح زجاجها، وظهر مروان.
_آنسة خديجة… إزيك؟
أومأت له باقتضاب دون حديث.
ترجل من السيارة، واقترب منها خطوة، مشيرًا إلى سيارته:
_لو عايزة تروحي أي مكان أنا تحت أمرك.
هزت رأسها برفض:
_لا، شكرًا… أنا هستنى. زمان أي عربية هتعدي.
نظر إلى الطريق، ثم عاد إليها:
_يعني ينفع كده؟ توقفي لوحدك في طريق زي ده، واللي رايح واللي جاي يبص عليكِ؟
انزعجت من حديثه، وتراجعت خطوة:
_لا شكرًا، أنا كده مرتاحة. لو سمحت امشي، علشان وقفتك معايا مش صح.
ظل يراقبها لحظات، ثم أخرج هاتفه واتصل بخالد.
_إزيك يا خالد؟ أنا عتبان عليك… يعني ينفع أكون معدي، وأشوف الآنسة خديجة على الطريق مستنية عربية وأنا موجود؟
كان خالد يستمع إليه، بينما كانت جيهان إلى جواره تتابع الحديث باهتمام.
اقتربت من زوجها وهمست:
_كلمها… وقول لها لو مش هتروح معاه، ترجع ومفيش شغل.
التفت إليها خالد بذهول، وكأنه لم يفهم ما الذي تقصده.
لكزته بخفة، وأشارت إلى الهاتف:
_كلمه.
عاد خالد إلى الهاتف:
_طيب يا مروان… اديني خديجة.
ثم أضافت جيهان من بين أسنانها:
_وهددها… وخليك ناشف معاها.
تردد خالد للحظة، ثم رفع صوته:
