طعم ف يد اليفة ج٢
أتعلم أكثر ما يؤلمني؟ أنني لم أعد أتخيل الغد دونك. صرت أراك في كل أمنية، وفي كل دعاء، وفي كل حلم صغير أخبئه عن العالم.
يا فارس احلامي، أنا لا أريد منك عمرًا جميلًا فحسب… أنا أريد العمر بك. أريد أن تمر السنوات ونحن معًا، أن أراك في صباحاتي، وأن يكون وجهك آخر ما تطمئن إليه عيناي قبل النوم.
خديجتك
أرسلتها بترددٍ واضح، وظلت عيناها معلقتين بالرسالة التي خطتها بأنامل مرتجفة، تقرؤها مرةً، ثم تعود فتقرأها من جديد
لكن شيئًا في داخلها أخبرها أنها تسرعت.
وقبل أن تستوعب ما فعلت، فتحت هاتفها سريعًا، تريد أن تمحو الرسالة قبل أن تصل إليه عيناها…
إلا أن أملها خاب.. لقد فتحها بالفعل.
اتسعت عيناها، ثم التهمت أناملها ندمًا، وهمست لنفسها بحرج:
_دلوقتي يقول عليّا ما صدقت…
عادت بجسدها إلى الخلف، تستند إلى ظهر فراشها، ثم أغمضت عينيها لحظات، قبل أن تزفر باستسلام:
_بس أنا فعلًا كده… ما صدقت.
تأففت، وجمعت خصلاتها بين أصابعها، تحاول تهدئة قلبٍ فضحها
_اهدي بقى… اللي حصل حصل. المهم دلوقتي… لازم تقنعي ماما. يا ترى هتوافق إزاي؟
أما عبد الرحمن…
فكان جالسًا يتحدث مع صديقه حين ارتفع صوت إشعار الرسالة.
سحب هاتفه بلا اهتمام، وعيناه لا تزالان معلقتين بصديقه، يجيبه بين الحين والآخر بكلمات مقتضبة.
ولكن حين وقعت عيناه على رسالتها.
توقفت الكلمات على شفتيه.
وتوقف معها كل شيء.
قرأها مرة…ثم أعاد قراءتها، وكأن قلبه لم يصدق ما قرأه من المرة الأولى.
لم يعد يسمع حديث صديقه، ولا انتبه حتى إلى السؤال الذي وجهه إليه.
نهض فجأة، وكأن جسده اتخذ قراره قبل عقله.
_لازم أمشي… نكمل كلامنا بعدين.
نظر إليه صديقه باستغراب:
_فيه حاجة يا عبد الرحمن؟
هز رأسه سريعًا، محاولًا أن يخفي الاضطراب الذي اجتاح ملامحه:
_لا، بس افتكرت مشوار. يلا، حمد لله على سلامتك.
غادر المكان بخطوات سريعة، حتى انتهى به الطريق إلى الشاطئ.
جلس أمام البحر، وأسند ذراعيه إلى ركبتيه، يحاول عبثًا أن ينظم أنفاسه.
و قلبه يضرب صدره بعنف، وكأنه لم يعد يطيق البقاء في مكانه.
كانت كلماتها تفعل به ما لم يستطع شيءٌ آخر أن يفعله.
تدعوه إليها…وتستجدي قربه دون أن تقولها صراحة.
رفع هاتفه، وضغط اسمها.
رن الهاتف مرة…ثم ثانية…
وخديجة تنظر إلى الشاشة، ترى اسمه يضيء أمامها، وقلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها، لكنها لم تملك شجاعة الرد.
انقطع الاتصال.
تنهد عبد الرحمن، ثم ألقى هاتفه بجواره فوق الصخرة، ومسح وجهه بكفيه.
_مالك؟ ما تهدى بقى…
لكنه كان يعرف أنه لا يستطيع.
فبعض المشاعر لا يملك الإنسان أمامها إلا الاستسلام.
نهض، واتجه نحو البحر، وقف أمام أمواجه المتلاطمة، يتأملها طويلًا.
كل موجة كانت تضرب الشاطئ، فيشعر وكأن قلبه يتلاطم مثلها
وكأن البحر يحتفل بميلاد عشقه الابدي
ابتسم دون أن يشعر.. يتخيل وجهها بين الأمواج.
تخيل عينيها، خجلها، ارتباكها، والطريقة التي كانت تحاول بها إخفاء عشقها عنه، بينما كلماتها تفضحها أكثر مما تخفيه.
خفض عينيه، وخرج اسمها من بين شفتيه كأنه دعاء:
_خديجتي…
ابتسم.
وكأن مجرد نطق اسمها كان كافيًا ليهدأ شيءٌ داخله.
على الجانب الآخر…
كانت خديجة تحتضن هاتفها إلى صدرها، وكأنها تحتضنه هو.
ابتسامة صغيرة تسللت إلى شفتيها، و قلبها المسكين ينبض له، ويستمع إلى نداءٍ لا يسمعه سواها.
فتحت هاتفها، راحت تقلب رسائله جميعها، تبتسم مرةً، وتغشاها الدموع مرةً أخرى.
تقرأ كلماته، ثم تضم الهاتف إلى صدرها من جديد.
عجبًا لك أيها القلب العاشق…
كيف تستطيع أن تجعل من الحبيب وطنًا، ومن صوته أمانًا، ومن مجرد رسالةٍ منه عيدًا صغيرًا لا يراه أحد؟
عجبًا لك…
تسعد من الحبيب، فتبكي من شدة السعادة،
وتشتاق إليه، فتتألم من فرط الاشتياق،
وتخاف فقده، حتى وهو أقرب الناس إلى قلبك.
فالعاشق لا يحب بنصف قلب…
بل يضع قلبه كله بين يدي من أحب، ثم يقضي ما تبقى من عمره مطمئنًا مرةً، ومرتجفًا ألف مرة، لأن سعادته أصبحت معلقةً بشخصٍ واحد.
وهكذا هو العشق…
أن يصبح شخصٌ واحد قادرًا على أن يختصر لك العالم كله؛
فتراه وطنًا حين تتيه، ودفئًا حين تبرد روحك، وطمأنينةً حين يخيفك الغد…
ثم تخاف عليه من كل شيء، حتى من الأيام.
لأن أقسى ما في الحب ليس أن تحب…
بل أن تجد أخيرًا من يستحق كل هذا الحب، ثم تدرك أن قلبك أصبح لا يعرف طريقًا للنجاة منه.
مضى يومان، والحال كما هو، حتى جاء صباحٌ عكر صفو القلوب، حين عادت جيهان إلى بيت زوجها بعد أن قضت عدة أيام برفقة والدتها.
جلس الجميع على طاولة الطعام :
_حمد الله على السلامة يا جيهان.
ابتسمت جيهان وهي تخلع عباءتها:
_الله يسلمك يا حماتي. والله كنت عايزة أقعد أكتر، بس أمي قالت مينفعش تسيبي حماتك أكتر من كده.
ابتسمت فاتن بحنان:
_لا يا حبيبتي، كنتي اقعدي. أنا متفهمة الوضع، وبعدين دي أمك، لو مقعدتيش معاها وهي تعبانة يا بنتي، هتقعدي معاها إمتى؟
ردت سريعا :
_يعني إيه يا طنط؟ بتقولي على أمي إيه؟
التفت إليه خالد سريعًا:
_هي كانت قالت إيه.. وبعدين ماقولتيش امك عاملة ايه
_ الحمد لله، بتسلم عليكِ يا خالد.
_الله يسلمها.
التفت خالد الى والدته
_هنرد على عبد الرحمن بإيه يا ماما؟ أربع أيام عدوا، ولازم نرد. كفاية بقى.
توقفت جيهان عن المضغ، ورفعت رأسها باهتمام:
_عبد الرحمن مين؟
نظر إليها خالد باستغراب:
_عبد الرحمن الديب… جه وطلب خديجة.
لمعت عيناها فجأة:
_قصدك عبد الرحمن الحلو اللي قصادنا؟
رمقها خالد بنظرة ضيق:
_مالك يا بت؟ ما تتظبطي… إيه الحلو دا؟
ارتبكت، وضحكت محاولة تدارك الأمر:
_مش قصدي والله… يعني عبد الرحمن اللي قصادنا.
لوّح خالد بيده لينهي الحديث، ثم اتجه بنظره إلى أخته:
_خديجة موافقة عليه… أقوله إيه؟
رفعت خديجة عينيها إلى والدتها، وكأنها تنتظر منها القرار.
فقالت فاتن بهدوء:
_اللي فيه الخير يقدمه ربنا يا ابني. قوله ييجي، أنا عايزة أتكلم معاه ونحط النقط على الحروف.
قطب خالد جبينه:
_قصدك إيه يا ماما؟
نظرت إلى ابنتها، ثم عادت إليه:
_مفيش يا ابني… يعني ترتيبات أي جواز. مش دي الأصول؟
أومأ متفهمًا:
_أيوه، فهمت.
ثم نهض وهو يحسم الأمر:
_خلاص ماشي. اعملي حسابك نعزمهم على الغدا يوم الجمعة، ونتكلم في كل حاجة.
اتجه إلى غرفته، نظرت جيهان الى خديحة المبتسمة لوالدتها، ثم لحقت بخالد سريعًا.
دفعت الباب خلفها، وما إن أغلقته حتى قالت بنبرة عتاب مدللة:
_الله الله يا خالد… بقيت تاخد قرارات من غير ما ترجعلي ولا حتى تعرفني؟
التفت إليها، وقبل أن تكمل، جذبها إلى صدره باشتياق:
_قرارات إيه يا بت؟ دي إنتِ وحشتيني.
ابتسمت متدللة، وأخذت تعبث بياقة قميصه:
_يا سلام يا أخويا… وحشتك؟ وأنا ولا على بالك؟ وبقيت توافق على حاجات وأنا آخر واحدة أعرف.
ابتسم وهو يضمها إليه:
_أنا؟ إمتى دا حصل؟
رفعت عينيها إليه، ثم اقتربت منه هامسة، وكأنها تلقي في أذنه فكرةً تعرف جيدًا كيف تجعله يصغي إليها:
_زي خطوبة أختك دي.. فين حبيبتك من دا كله
ابتعد قليلًا ينظر إليها باستغراب.
_مش فاهم
تابعت بنبرة ساخرة:
_بقى عايز خديجة، اللي تقول للقمر قوم وأنا أقعد مكانك، تجوزها واحد ميكانيكي؟ اتجننت يا خالد؟
قطب جبينه:
_مالك يا بت؟ ماهو الواد كسيب، وشاطر، وغير كده محترم.
ابتسمت، ثم طبعت قبلة سريعة على وجنته وهمست:
_بس فيه الأحسن منه… واللي يخلينا نطلع على وش الدنيا.
تغيرت ملامحه:
_قصدك مين؟
سحبت يديه وأجلسته، ثم جلست على ساقيه تحاوط عنقه بذراعيها، وقالت بدلال وهي تبتسم:
_ابن معلم الميكانيكي.. يعني سيدك وسيده
انعقد حاجباه:
_قصدك مين؟ مروان؟
ضحكت بخفة، وراحت تزين له الحديث بكلماتها، تارةً تمدحه، وتارةً تذكر له حاله، حتى بدأ تردده يتراجع شيئًا فشيئًا.. تدلل باغراء انثى تستخدم اسلحتها جيدًا



