طعم ف يد اليفة ج٢
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”
بقلم سيلا وليد
ابتسمت وهي تنظر إليه، تنتظر أن يبوح بما جاء من أجله.
ظل عبد الرحمن صامتًا للحظات، يدقق النظر في عينيها اللتين طالما سلبتاه القدرة على الكلام، وكأنه يحاول أن يحفظ تفاصيلهما للمرة الأخيرة قبل أن يسمع منها ما سيحدد مصير قلبه.
قطعت صمته وهي تبتسم بتوتر:
_ساكت ليه؟ على فكرة ماما هتزعل مني أوي.
ابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال:
_ليها حق مامتك تزعل وتخاف عليكي يا ديجة.
هزت رأسها باعتراض خفيف:
_مش أوي يا عبد الرحمن… المهم قولي بسرعة، إنت عايز تقول إيه؟
تنفس بعمق، وكأنه يرتب الكلمات في صدره قبل أن يخرجها.
_قبل ما أعرف رأيك في إننا نكمل مع بعض… إنتِ طبعًا عارفة إني مسؤول عن عمر ووالدتي.
قطبت جبينها، ولم تفهم ما الذي يحاول الوصول إليه.
_مش فاهمة يا عبد الرحمن… مال عمر ووالدتك؟
خفض عينيه للحظة، ثم عاد ينظر إليها بنظرة صادقة لا تعرف المراوغة.
_مش هقدر أبعد عنهم يا خديجة.
سكت قليلًا، ثم تابع:
_آه، أنا اشتريت شقة في مكان كويس، وكان نفسي نستقر فيها ونبدأ حياتنا بعيد عن أي حاجة… بس مش هقدر أبعد عن والدتي. البيت كبير، وعمر طول الوقت مش موجود، وكمان خلاص هيروح الجامعة، وماما هتبقى لوحدها. يعني ممكن تتعب، لا قدر الله، وأنا مش هقدر أسامح نفسي لو حصل لها حاجة وأنا مش جنبها، خصوصًا إن الشقة بعيدة.
ظلّت تستمع إليه دون أن تقاطعه.
لكن شيئًا في داخلها كان قد تبدّل.
لم ترَ في كلماته رجلًا يتراجع عن حبه، بل رأت رجلًا يضع أمه في قلب مسؤولياته، ويخشى أن يتركها وحيدة بعدما أفنت عمرها من أجله.
كان قلبها يرقص فرحًا.
فرحًا لم تستطع إخفاءه، ولا السيطرة عليه.
اجتاحتها مشاعر عاصفة، حتى تمنّت لو تلقي بنفسها بين ذراعيه، وتصرخ بأعلى صوتها:
«بحبك أوي يا عبد الرحمن.»
جاء صوته فأعادها إلى الواقع:
_خديجة… سمعاني؟
رفعت عينيها إليه، وقد لمعتا بسعادة لم تستطع إخفاءها، وأومأت برأسها وهي تبتسم:
_أيوة… سمعت اللي قولته.
ابتسم، لكنه لم يسمح لفرحته أن تسبقه.
_طيب ساكتة ليه؟
فتحت فمها لتجيب، لكنه رفع يده قليلًا يوقفها.
_لا… فكري كويس. علشان مترجعيش تندمي تاني، ويبقى نفسك في يوم يكون ليكي بيت لوحدك. وعلى فكرة… مش هزعل، لأن ده حقك.
أغمضت عينيها للحظات، وكأنها تحاول أن تُسكت قلبها الذي أخذ يخبط في صدرها بعنف.
_خديجة…
فتحت عينيها ونظرت إليه.
ساد بينهما صمت طويل…
ثوانٍ قليلة، لكنها حملت من الكلام ما عجزت عنه الحروف.
تلاقت عيناهما، فكان حديث العيون أصدق من أي اعتراف.
ثم قالت بخفوت:
_إنت كتبت في الرسالة إيه يا عبد الرحمن؟
ضيق عينيه باستفهام.
ابتسمت بخجل، وقالت:
_خديجتي…
ثم رفعت حاجبها قليلًا:
_يعني مبقاش ليا رأي يا عبد الرحمن؟
كأن الكلمة وحدها كانت كافية لتزلزل كيانه.
ارتجف قلبه، بل شعر برجفة تسري في جسده كله، وهمس وكأنه يخشى أن يسمع الإجابة فيتبدد حلم انتظره طويلًا:
_يعني موافقة نكمل حياتنا مع بعض؟
نظرت إلى الأرض، واشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل، ولم تجبه.
ابتسم، ثم هز رأسه بيأس مصطنع:
_لا لا… ما هو أنا مُصر أسمعها منك.
اقترب قليلًا، وعيناه لا تفارقان وجهها.
_حتى لو خالد رد وقال آه أو لأ، كنت هقف قدامك وأسألك بنفسي.
ثم خرج صوته أكثر دفئًا:
_موافقة بعبد الرحمن يا خديجة تكملي عمرك معاه؟
توقف لحظة، وكأن الكلمات القادمة تحمل كل ما أخفاه طوال السنوات الماضية.
_قوليها يا خديجة… تعرفي أنا مستنيها من خمس سنين؟
رفعت عينيها إليه.. التقت فيها عيناها بعينيه، لم تعد بحاجة إلى أن تقول شيئًا.
كانت عيناه تنطقان بالعشق قبل شفتيه..
ارتعشت شفتاها، وحاولت أن تنطق ولكن هربت الحروف من بين شفتيها، اقترب ميتندا بذراعه على الطاولة وعيناه لا تفارقنها ثم خرجت الكلمة أخيرًا…
حتى هدمت في قلبها كل جدران الانتظار:
_بحبك…
توقفت أنفاسها.
وكأن العالم كله صمت لحظة، لكي تسمعه
هزة عنيفة جعلت قلبها يتراقص، بل جسدها ينتفض بالنبض، فنهضت سريعًا تجمع أشياءها بارتباك، تحاول الهرب من عينيه قبل أن يفضح خجلها
_اتأخرت… لازم أمشي.
نهض عبد الرحمن خلفها سريعًا، وأوقفها قبل أن تبتعد.
_خديجة، استني!
التفتت إليه مرتبكة.
_لازم آخد الرد منك إنتِ… مش من أي حد تاني.
فتحت حقيبتها بيد مرتجفة، وأخرجت البطاقة التي أرسلها إليها.
مدتها إليه دون أن ترفع عينيها:
_ردي هنا يا عبد الرحمن…
ثم أسرعت تقول:
_همشي بعد إذنك.
أمسك البطاقة، وقلبها بين أصابعه باستغراب.
_بتديني رسالتي ليه؟
لم تجبه.
تحركت مسرعة نحو صديقتها.
فتح عبد الرحمن البطاقة.
توقفت عيناه عند الكلمات التي خطتها بيدها.
ظل يقرأها للحظات، ثم رفع عينيه سريعًا نحوها.
كانت قد ابتعدت بالفعل، تتحرك بخطوات سريعة بجوار صديقتها، وكأنها تهرب من قلبها قبل أن تهرب منه.
تسللت ابتسامة واسعة إلى وجهه.. وتمتم بعشق:
_رحماني…
ثم ضحك بخفوت، كأنه لا يصدق أن ما انتظره طويلًا أصبح حقيقة.
رفع عينيه نحو أثرها، وقال في نفسه:
_آه يا خديجة… لو تعرفي عملتي إيه في فارس قلبك.
وصلت الى منزلها بوقت قياسي، قابلتها والدتها على باب المنزل
_ايه اللي اخرك يابنتي
_اسفة ياماما، حقك علي، هدخل اشوف الاكل
وقبل ان تخطو… امسكتها والدتها من يدها
_مالك… وشك احمر كدا ليه
_مفيش ياماما… قالتها وهي تنزع حجابها، وعيني والدتها تحاوطها، التفت اليها
_قابلت عبد الرحمن
ابتعدت والدتها بنظرها دون ان تعلق على حديثها، اقتربت منها وامسكت كفيها تقبلهما، ثم رفعت وجهها الى والدتها
_ماما.. والله مش انا اللي قولت له، انا بعت له امبارح، وقولت له انك رفضتي، بس هو قابلني كان عايز يتكلم
_وينفع ياخديجة، افرض حد شافكم يابنتي يقول عليكم ايه، حتى لو اتقدم، مادام مفيش رابط رسمي مينفعش، انا خايفة من كلام الناس حبيبتي، مش هيرحمك
تسللت للأحضان والدتها
_خلاص بقى ياماما، هم اصلا خمس دقايق عمي، والبت حنان كانت معانا
ابتسمت والدتها تضمها بذراعيها
_عُمي يابنت فاتن
ضحكت ضحكة طفولية
_ماخلاص بقى يافاتن، لازم تكسفيني كدا
احتضنت فاتن وجه ابنتها، تنظر اليها بحنان
_ربنا يسعدك يابنتي يارب، المهم بقى الاستاذ عبد الرحمن كان عايز ايه، علشان يخليكي تكسري كلامي
فركت كفيها بخجل تنظر للأرض، رفعت والدتها وجهها تهز رأسها
_سمعاكي حبيبتي، قولي حبيبتي، احكي لي كل حاجة
جلست تهمس بخفوت
_كان عايز رأيي في حاجة، يعني بيقولي انه مش هيستقر في شقته، عايز يفضل هنا مع مامته واخوه

