طعم ف يد اليفة ج٢
جلست والدتها إلى جوارها، تُصغي إليها باهتمام، بينما كانت خديجة تتحدث وقلبها يسبق كلماتها، وكأنها تخشى أن تنطق بما قد يُطفئ فرحتها.
_مش فاهمة يعني إيه يا حبيبتي؟
رفعت خديجة عينيها إليها، وقالت بصوت خافت:
_بيقولي مش هيقدر يبعد عن والدته يا ماما… عايز يتجوز في البيت معاها.
ساد الصمت للحظات.
ظلت فاتن تنظر إلى ابنتها، وكأنها تُعيد ترتيب الأمر في رأسها، ثم قالت بهدوء حذر:
_بس معاه أخوه، يا خديجة… شاب. هينفع يا بنتي؟ مش هتاخدي راحتك. والدته منقدرش نعترض، دي أمه، لكن أخوه… إزاي يا بنتي؟
اتسعت عينا خديجة قليلًا، وكأنها لم تفهم سبب خوف والدتها.
_ما هو عمر هيروح الجامعة يا ماما، يعني مش هيبقى موجود طول الوقت.
هزت فاتن رأسها، وقالت بحزمٍ امتزج بحنان الأم:
_ولو يا خديجة. مينفعش يا بنتي. ده شاب، وأنا مش بقول حاجة على تربيتهم، ولا بشكك في أخلاق حد، بس الأصول أصول، وفي حاجات البنت لازم تحافظ عليها حتى لو كانت بتحب جوزها.
ابتلعت خديجة ريقها، وسألتها بقلق بدأ يتسلل إلى قلبها:
_يعني إيه يا ماما؟
استدارت فاتن إليها، وأمسكت بكفها.
_يعني لازم تفكري في كل حاجة، مش في الحب بس. الجواز مش إنك تحبي عبد الرحمن وخلاص… ده بيت، وخصوصية، وراحة، وحياة كاملة هتعيشيها.
أسرعت خديجة تقول، وكأنها تدافع عن حلم تخشى أن يُنتزع منها:
_بس أنا موافقة يا ماما.
_يا بنتي، يا حبيبتي…
اقتربت منها فاتن أكثر، وقالت بحنان:
_فيه حاجات مينفعش نتنازل عنها علشان بنحب. الحب مهم، بس مش المفروض يخليكي تنسي حقك في الأمان والخصوصية والراحة.
انخفضت عينا خديجة، وتجلى الحزن على ملامحها.
احتضنتها والدتها، فضمتها خديجة إليها، وكأنها وجدت في حضنها مأمنًا من كل ما يخيفها.
همست فاتن فوق رأسها:
_بتحبيه يا خديجة؟
لم تجب.
دفنت وجهها في أحضان أمها، وانهمرت دموعها بصمت.
مسدت فاتن على شعرها بحنان، ثم قالت:
_ربنا يكمل فرحتكم على خير يا بنتي… أنا مش معترضة على عبد الرحمن، بالعكس، ربنا يعلم إني نفسي أشوفك مبسوطة. بس أنا أمك، ولازم أخاف عليكي قبل ما أفرح لجوازك.
رفعت خديجة وجهها إليها، وقد لمعت عيناها بالدموع:
_يعني ممكن ترفضيه يا ماما… علشان كده؟
تنهدت فاتن، ومسحت دمعة علقت على وجنتها.
_شوفتي مرات أخوكي عملت فينا إيه يا بنتي؟ رغم إن ليها شقتها فوق، وسايباها، اختارت تقرب منك علشان تضايقك. أنا مش عارفة إيه اللي ممكن يتخبى لك بعد الجواز، ولا عارفة الأيام هتجيب إيه.
صمتت لحظة، ثم تابعت:
_أنا من رأيي عبد الرحمن يتجوز في شقته، وياخد والدته معاه. حسناء ست كويسة، وأنا متأكدة إنها هتعاملِك أحسن معاملة. لكن أخوه شاب، وعبد الرحمن شغله ممكن يخليه يتأخر بالساعات… وأنا مش بشكك فيهم، ولا في تربيتهم، حاشا لله، بس إحنا بنبعد عن القيل والقال من البداية.
اهتز قلب خديجة.
لم تكن تسمع حديث أمها عن البيت فقط… كانت تسمع خوفًا آخر يتسلل بين الكلمات؛ خوفًا من أن تخسر عبد الرحمن بسبب أشياء لم تكن تراها عائقًا أمام حبها.
فقالت بصوتٍ متهدج:
_ماما… أنا بحب عبد الرحمن أوي.
توقفت لحظة، ثم أضافت وكأنها تقدم أغلى ما تملك قربانًا لهذا الحب:
_ومستعدة أقعد معاه في أي مكان… حتى لو مفيش غير أوضة واحدة تجمعنا، مش هتفرق معايا. المهم أبقى معاه.
نظرت إليها فاتن طويلًا، وقلبها يؤلمها لرؤية ابنتها مستعدة لأن تتنازل عن كل شيء فقط حتى لا تخسر الرجل الذي أحبته.
ورغم ذلك لم تجب.
نهضت بهدوء، ومسحت على رأس ابنتها، ثم خرجت من الغرفة.
بقيت خديجة وحدها.
حدقت في الباب الذي أُغلق خلف والدتها، وكأنها تنتظر أن تعود وتقول لها إن كل شيء سيكون بخير.
لكنها لم تعد..هنا شعرت بألم حاد يعتصر قلبها
لم يكن خوفها من العيش مع أخيه…
بل كان خوفها الأكبر أن يكون حبها لعبد الرحمن غير كافٍ أمام مخاوف والدتها.
انسابت دمعة ساخنة على وجنتها، وهمست لنفسها:
_أنا مستعدة أتنازل عن أي حاجة… بس متاخدنيش منه يا رب.
ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها، وانحنت فوقهما، تنظر أمامها بصمت


