طعم ف يدا اليفه السادس
“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”
توقّف عبدالرحمن عن السير، وكأن قدميه خانتاه فجأة، واستدار إليها.
رفع عينيه نحو خديجة، وكانت نظراته إليها كافية لأن تق/تلها لو كانت النظرات تق/تل… نظرات رجل رأى أمام عينيه آخر ما كان يتمنى أن يراه.
لقد أصبحت ملكًا لغيره.
هل يُعقل؟!
بالأمس فقط كانت تلهو معه بالعشق، وكانت كلماته تجد طريقها إلى قلبها، واليوم أصبحت زوجة لرجل آخر!
اشتعلت الأسئلة في رأسه رغمًا عنه…
هل ستنام الليلة بين ذراعيه؟
هل سيغازلها بالكلمات التي كان يظن يومًا أنها خُلقت له؟
هل سيناديها باسمها بذلك الحنان الذي كان يختبئ خلفه شوقه كله؟
هل سيقول لها: خديجتي؟
ابتلع غصته بصعوبة، وظلت عيناه معلقتين بعينيها اللتين طالما مات فيهما عشقًا.
لكنه لم يرَ دموعها.
أو ربما رآها… ورفض أن يصدقها.
كان قد رسم في رأسه صورة أخرى لها، صورة قاسية لا تشبهها؛ خديجة سعيدة بزواجها، سعيدة لأنها ستصبح سيدة قصر، كما سمع من البعض.
فأقنع نفسه أن تلك السعادة هي السبب في أنها تركته بهذه السهولة.
رأته جيهان، فلكزت خالد بمرفقها وأشارت بعينيها نحوه.
التفت خالد إليه…
وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليه، شعر بشيء يقبض على قلبه حتى كاد يخنقه.
لأول مرة يرى عبدالرحمن بهذه الصورة.
واقفًا بينهم بجسدٍ حاضر، وروحٍ تبدو كأنها تُنتزع أمام عينيه.
ثم التقت عيناه بخديجة…
ففهم.. لم تكن تلك نظرات رجل جاء ليبارك.
كانت نظرات رجل يحاول أن يدفن حبًا ما زال حيًّا بداخله.
تجمّد خالد للحظات.
هل ظلم أخته حين أجبرها على هذا الزواج؟
وهل ظلم عبدالرحمن حين صدّق كلامًا لم يكن يحتاج إلى دليل كي يكذّبه؟
كيف خدعه الشيطان وصوّر له أن عبدالرحمن يمكن أن يكون بالصورة التي اتهمه بها؟
وهو الذي تربّى معه…
يعرف أخلاقه، يعرف رجولته، ويعرف جيدًا أنه لم يكن يحتاج إلى صور ولا حكايات كي يعرفه.
عبدالرحمن الديب… شاب المنطقة الذي يعرفه الجميع.
نهض خالد ببطء، ثم تحرك نحوه.
كل خطوة كانت أثقل من سابقتها، والندم ينهش صدره حين رأى ملامح الرجل الذي ظلمه.
توقّف أمامه.
خرج صوته خافتًا، مكسورًا بالندم:
_عبدالرحمن…
رفع عبدالرحمن عينيه إليه، فالتقط خالد دموعًا محتجزة خلفهما، دموع رجل يقاتل بكل ما أوتي من قوة حتى لا تسقط أمامهم.
نظر إليه عبدالرحمن للحظات…
لحظات قليلة فقط، ثم قال بصوت مختنق، لكنه خرج حادًا كالسيف:
_ما دعتنيش ليه يا خالد؟… ده حتى إحنا جيران.
ثم انحرفت عيناه نحو خديجة.
كانت واقفة أمامه، عاجزة حتى عن رفع عينيها إليه، تخشى أن تفضحها دموعها.
فقال، وكأنه يتعمد أن يزيد المسافة بينهما:
_والأستاذة… زيها زي أختي.
كانت الكلمة كافية لتغرز خنجرًا في قلبها.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا حياة فيها:
_على العموم… مبروك.
وقبل أن يكمل، لمح والدته تندفع نحوه.
_عبدالرحمن…
استدار إليها، فوجدها تهز رأسها برفض، كأنها ترجوه بعينيها ألا يكمل.
لكنه لم يستطع.
استدار مرة أخرى نحو خديجة، واقترب خطوة.
ثم قال، وهو يثبت عينيه في عينيها:
_مبروك يا أستاذة خديجة… بالرفاء والبنين.
خرجت الكلمات من بين شفتيه، لكنها لم تصل إليهما كتهنئة… كانت نيرانًا.
حرقت جوفه هو قبل أن تحرق قلبها.
رفعت خديجة عينيها إليه…وليتها لم تفعل.
فما إن التقت عيناها بعينيه حتى انهارت كل محاولاتها للصمود، وانسابت دموعها رغما عنها… رآها… رآها تبكي…
لكن كبرياءه المجروح أقنعه أنها دموع امرأة تجيد التمثيل.
كور قبضته حتى ابيضّت مفاصله، ثم قال، وعيناه لا تفارقان عينيها:
_رغم إنكم ما عزمتنيش… وأنا كنت ناوي أشهد على العقد بنفسي، بس مش مشكلة.
صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة موجوعة:
_بكرة أنا أدعيكم.
شهقة مكتومة أفلتت من بين شفتيها.
نظرت إليه بعينين ترجوانه أن يتوقف، وكان صوتها غائبًا، لكن عينيها صرختا بما لم تستطع قوله:
يكفي… أرجوك.
أنا أتألم مثلك.
لا تزيد وجعي… فأنا لم أعد أحتمل.
أما هو…
فأدار وجهه عنها، قبل أن تفضحه دموعه.
لأن الرجل الذي جاء ليبارك لها زواجها…
كان في الحقيقة يقف أمام المرأة التي أحبها، ويودّع قلبه للمرة الأخيرة..
_مبروك
همس بها، ثم استدار سريعًا، وكأن بقاءه ثانية أخرى أمامها سيجعله ينهار أمام الجميع
تحرك متخبط الخطوات، لا يعرف إلى أين يذهب، ولا ماذا يفعل بكل ذلك الألم الذي ينهش صدره.
كانت دموعه تسبقه…
دموع رجلٍ مثله، كانت أكبر فضيحة يمكن أن يراها من يعرفه.
ركض… ركض كمن يهرب من شيء يطارده، بينما كانت والدته تراقبه بعينين غارقتين في الدموع.
ماذا فعل ابنها حتى يصل إلى هذه الحالة؟
كيف لرجلٍ كان دائمًا سندًا لغيره أن يصبح الآن بهذا الضعف؟
قلبه ينهار…وجسده يتحرك بلا روح، كأنه ترك حياته أمام عيني خديجة.
