طعم ف يدا اليفه السادس

مضى شهرا والحال كما هو، سوى افاقة والدتها من الغيبوبة، كانت تجلس بجوارها تطعمها الطعام الذي  سمح به الطبيب، رغم حزن خديجة على زواجها، الا أن استيقاظ والدتها كان النور الذي اضاء حياتها مرة اخرى
مررت وجهها على وجه والدتها الشاحب
_حمد الله على سلامتك يااغلى من حياتي
دمعة نزلت من أعين فاتن على الحزن الذي سكن أعين ابنتها، حاولت أن تنطق ولكنها فقدت النطق
انحنت خديجة تقبل كفيها
_مش مهم، المهم انك قدام عيوني ياماما، المهم حضنك الدافي
قالتها وهي تتسلل الى أحضانها، فتحت جيهان باب الغرفة
_جوزك وصل، يلا مش عايز يقعد
رفعت فاتن نظرها اليها، اقتربت تطبع قبلة فوق جبينها
_بكرة الصبح هاجي لك، وهفضل طول اليوم معاكي
رفعت كفها بصعوبة تلمس يد ابنتها، لتنحني خديجة مرة اخرى تقبلها، ثم تحركت وعيناها على والدتها الى أن اختفت خلف الباب، توقفت أمام الممرضة التي تراعي والدتها بمنزلها
_امي لو حصلها حاجة هموتك، سمعتيني
جلست جيهان تتناول الفاكهة وهي تهز ساقيها
_اسمعي كلام المدام، اصلها بتدفع الغالي اوي كل ليلة علشان تخدمي امها، مش بقيتي مدام برضه
قالتها بضحكة صاخبة
لم ترد عليها، تحركت للخارج مع اصوات الزغاريد التي تخرج من منزل عبد الرحمــــــــن، للحظة شعرت بأن انفاسها تسحب منها، الى أن استمعت احد الجيران
_ألف مبروك ياعمر، الف مبروك يابني، عقبال الشهادة الكبيرة يارب
خرجت حسناء ترد عليها
_الله يبارك فيكي ياحبيبتي، تسلميلي ياام محمد
_مبروك ياحسناء، عقبال لما تفرحي برجوع عوف يارب
وقعت أعين حسناء على وقوف خديجة أمام سيارة مروان… رفعت عيناها الى حسناء التي دلفت للداخل واغلقت النافذة
تحركت الى باب السيارة، وصعدت دون حديث… جلست بجواره في السيارة
_هنسافر القاهرة الليلة، سبوع بنت اختي
_مقدرش اسيب ماما كدا واروح في حتة
قبض على ذراعها بعنف
_ماهو علشان تصرفي على امك هتسافري معايا، ومش عايز الحجاب والقرف دا، بعت اجب لك فساتين، البسيها،
_دا على ج/ثتي سمعتني
_تمام… نروح ونشوف موضوع ج/ثتك دا
انكمشت على نفسها بالسيارة ودمعت عيناها تنظر للخارج

بعد خمس سنوات…
خرجت خديجة من مدرستها بخطواتٍ تكاد تلامس الأرض من فرط سعادتها…. بقلم سيلا وليد
اليوم لم يكن يومًا عاديًا…
اليوم حصلت على الترقية التي تعبت من أجلها طويلًا، وسمعت أخيرًا كلماتٍ ظلت تتمنى سماعها منذ سنوات؛ كلمات جعلت قلبها يرفرف كأنها استعادت جزءًا من نفسها كانت قد أضاعته الأيام.
ابتسمت لنفسها وهي تسير، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
كانت سعيدة…سعيدة جدًا.
وللمرة الأولى منذ زمن، شعرت أن الحياة تمنحها شيئًا دون أن تنتزع منها شيئًا في المقابل.
وصلت إلى الشارع الذي تقطن به، وما إن خطت خطوات قليلة حتى توقفت فجأة.
صوت طفلة صغيرة اخترق  المكان، وهي تبكي بحرقة وتنادي:
_بابا… بابا
التفتت خديجة، فرأتها تقف وحدها بجوار الرصيف، تمسح دموعها بقبضتيها الصغيرتين، وتلتفت حولها في خوف.
اقتربت منها خديجة وانحنت أمامها، محاولة أن ترسم ابتسامة مطمئنة على وجهها.
_الجميل بيعيط ليه؟
رفعت الصغيرة عينيها إليها، فازدادت شهقاتها.
_عايزة بابا… بابا.
تبدلت ملامح خديجة قليلًا، وجلست على ركبتيها أمامها، ثم أمسكت كفيها الصغيرتين بين يديها، وراحت تقبلهما بحنان.
_طب بابا فين
اشارت بيدها الصغيرة الى كل الاتجاهات،بضياع…
مسحت خديجة دموعها ثم نظرت اليها باابتسامة حنونة
_ الجميلة اسمها إيه؟
_سيليا.
توقفت خديجة للحظة.
_سيليا…
_الله على جمال الأسم
ابتسمت لها رغمًا عنها، وسألتها:
_وبابا اسمه إيه يا سيليا؟
وقبل أن تجيب الصغيرة، جاءها صوت من خلفها…
صوتٌ تعرفه… صوتٌ لو مرَّ عليها وسط آلاف الأصوات، لعرفته.
_سيليا…
تجمدت خديجة.. لم تتحرك.
كأن جسدها فقد القدرة على الاستجابة.
أما الطفلة، فما إن سمعت الصوت حتى رفعت رأسها، ثم أفلتت كف خديجة وركضت نحوه وهي تبكي:
_بابا… بودي!
تسارعت أنفاس خديجة.
لا…مستحيل.
استدارت ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تصدق عيناها ما يخبرها به قلبها…. بقلم سيلا وليد
كان هناك…عبد الرحمن.
واقفًا خلفها، بأنفاسٍ متقطعة، وشعره مبعثر قليلًا، وملامحه تحمل آثار خوفٍ واضح…  يبحث عن طفلته بجنون.
خمس سنوات…
خمس سنوات كاملة لم ترَ فيها وجهه.
خمس سنوات حاولت خلالها أن تقنع قلبها بأنه صار ماضيًا، وأن اسمه لم يعد يعني لها شيئًا.
لكن قلبها…بمجرد أن رأته، فضح كل الأكاذيب التي أخبرتها بها طوال تلك السنوات.
ركضت سيليا إليه، فانحنى سريعًا وحملها بين ذراعيه، يضمها إلى صدره ويقبل رأسها بعصبية ممزوجة بالخوف.
_كده تنزلي من غير ما تعرفيني؟! مين جابك هنا يا سيليا؟
رفعت الصغيرة يدها وأشارت خلفه بحماس بريء:
_الآنطي دي.
ابتسم عبد الرحمن تلقائيًا، وما زال يحتضن طفلته.
_الآنطي دي؟
ثم استدار…
وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها…توقف كل شيء.
لم يعد هناك شي يسمع او يراه، انقطع النفس ولم يشعر بنفسه، وهو يراها أمامه
هي.خديجة.
وقف  ساكنًا، وكأن السنوات الخمس لم تكن سوى لحظة واحدة انقضت بين غمضة عين وفتحها.
تعلقت عيناه بملامحها التي تغيرت قليلًا، لكنها ما زالت هي…
بنفس العينين اللتين ظلتا تطاردانه في لياليه، وبنفس الملامح التي حاول بكل قوته أن يدفنها في ذاكرته، فلم يستطع.
أما خديجة، فظلت واقفة مكانها.
لم تستطع حتى أن تبتلع ريقها.
كانت تحدق فيه وكأنها أمام حلمٍ تخشى أن تفتح عينيها فتستيقظ منه.
ثم هبط بصرها ببطء إلى الطفلة التي بين ذراعيه.ابنته.. ارتعشت شفتاها.
وعاد بصرها إليه.
التقت عيناهما من جديد…
وفي تلك اللحظة، لم تحتج خديجة إلى سؤال.. فملامحه كانت تقول كل شيء.
كل الوجع.. كل الاشتياق.
كل ما أخفاه خلف سنوات الغياب.
وكل ما لم يمت بينهما رغم مرور السنوات.
أما هو، فظل ينظر إليها بصمت، وكأن أول سؤال مرَّ في قلبه لم يكن
كيف استطعتِ أن تعيشي كل هذه السنوات… وأنا لم أستطع أن أنساكِ يومًا واحدًا؟

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *