"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك" توقّف عبدالرحمن عن السير، وكأن قدميه خانتاه فجأة، واستدار إليها. رفع عينيه نحو خديجة، وكانت نظراته إليها كافية لأن تق/تلها لو كانت النظرات تق/تل... نظرات رجل رأى أمام عينيه آخر ما كان يتمنى أن يراه. لقد أصبحت ملكًا لغيره. هل يُعقل؟! بالأمس فقط كانت تلهو معه بالعشق، وكانت كلماته تجد طريقها إلى قلبها، واليوم أصبحت زوجة لرجل آخر! اشتعلت الأسئلة في رأسه رغمًا عنه... هل ستنام الليلة بين ذراعيه؟ هل سيغازلها بالكلمات التي كان يظن يومًا أنها خُلقت له؟ هل سيناديها باسمها بذلك الحنان الذي كان يختبئ خلفه شوقه كله؟ هل سيقول لها: خديجتي؟ ابتلع غصته بصعوبة، وظلت عيناه معلقتين بعينيها اللتين طالما مات فيهما عشقًا. لكنه لم يرَ دموعها. أو ربما رآها... ورفض أن يصدقها. كان قد رسم في رأسه صورة أخرى لها، صورة قاسية لا تشبهها؛ خديجة سعيدة بزواجها، سعيدة لأنها ستصبح سيدة قصر، كما سمع من البعض. فأقنع نفسه أن تلك السعادة هي السبب في أنها تركته بهذه السهولة. رأته جيهان، فلكزت خالد بمرفقها وأشارت بعينيها نحوه. التفت خالد إليه... وفي اللحظة التي وقعت عيناه عليه، شعر بشيء يقبض على قلبه حتى كاد يخنقه. لأول مرة يرى عبدالرحمن بهذه الصورة. واقفًا بينهم بجسدٍ حاضر، وروحٍ تبدو كأنها تُنتزع أمام عينيه. ثم التقت عيناه بخديجة... ففهم.. لم تكن تلك نظرات رجل جاء ليبارك. كانت نظرات رجل يحاول أن يدفن حبًا ما زال حيًّا بداخله. تجمّد خالد للحظات. هل ظلم أخته حين أجبرها على هذا الزواج؟ وهل ظلم عبدالرحمن حين صدّق كلامًا لم يكن يحتاج إلى دليل كي يكذّبه؟ كيف خدعه الشيطان وصوّر له أن عبدالرحمن يمكن أن يكون بالصورة التي اتهمه بها؟ وهو الذي تربّى معه... يعرف أخلاقه، يعرف رجولته، ويعرف جيدًا أنه لم يكن يحتاج إلى صور ولا حكايات كي يعرفه. عبدالرحمن الديب... شاب المنطقة الذي يعرفه الجميع. نهض خالد ببطء، ثم تحرك نحوه. كل خطوة كانت أثقل من سابقتها، والندم ينهش صدره حين رأى ملامح الرجل الذي ظلمه. توقّف أمامه. خرج صوته خافتًا، مكسورًا بالندم: _عبدالرحمن... رفع عبدالرحمن عينيه إليه، فالتقط خالد دموعًا محتجزة خلفهما، دموع رجل يقاتل بكل ما أوتي من قوة حتى لا تسقط أمامهم. نظر إليه عبدالرحمن للحظات... لحظات قليلة فقط، ثم قال بصوت مختنق، لكنه خرج حادًا كالسيف: _ما دعتنيش ليه يا خالد؟... ده حتى إحنا جيران. ثم انحرفت عيناه نحو خديجة. كانت واقفة أمامه، عاجزة حتى عن رفع عينيها إليه، تخشى أن تفضحها دموعها. فقال، وكأنه يتعمد أن يزيد المسافة بينهما: _والأستاذة... زيها زي أختي. كانت الكلمة كافية لتغرز خنجرًا في قلبها. ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا حياة فيها: _على العموم... مبروك. وقبل أن يكمل، لمح والدته تندفع نحوه. _عبدالرحمن... استدار إليها، فوجدها تهز رأسها برفض، كأنها ترجوه بعينيها ألا يكمل. لكنه لم يستطع. استدار مرة أخرى نحو خديجة، واقترب خطوة. ثم قال، وهو يثبت عينيه في عينيها: _مبروك يا أستاذة خديجة... بالرفاء والبنين. خرجت الكلمات من بين شفتيه، لكنها لم تصل إليهما كتهنئة... كانت نيرانًا. حرقت جوفه هو قبل أن تحرق قلبها. رفعت خديجة عينيها إليه...وليتها لم تفعل. فما إن التقت عيناها بعينيه حتى انهارت كل محاولاتها للصمود، وانسابت دموعها رغما عنها... رآها... رآها تبكي... لكن كبرياءه المجروح أقنعه أنها دموع امرأة تجيد التمثيل. كور قبضته حتى ابيضّت مفاصله، ثم قال، وعيناه لا تفارقان عينيها: _رغم إنكم ما عزمتنيش... وأنا كنت ناوي أشهد على العقد بنفسي، بس مش مشكلة. صمت لحظة، ثم ابتسم ابتسامة موجوعة: _بكرة أنا أدعيكم. شهقة مكتومة أفلتت من بين شفتيها. نظرت إليه بعينين ترجوانه أن يتوقف، وكان صوتها غائبًا، لكن عينيها صرختا بما لم تستطع قوله: يكفي... أرجوك. أنا أتألم مثلك. لا تزيد وجعي... فأنا لم أعد أحتمل. أما هو... فأدار وجهه عنها، قبل أن تفضحه دموعه. لأن الرجل الذي جاء ليبارك لها زواجها... كان في الحقيقة يقف أمام المرأة التي أحبها، ويودّع قلبه للمرة الأخيرة.. _مبروك همس بها، ثم استدار سريعًا، وكأن بقاءه ثانية أخرى أمامها سيجعله ينهار أمام الجميع تحرك متخبط الخطوات، لا يعرف إلى أين يذهب، ولا ماذا يفعل بكل ذلك الألم الذي ينهش صدره. كانت دموعه تسبقه... دموع رجلٍ مثله، كانت أكبر فضيحة يمكن أن يراها من يعرفه. ركض... ركض كمن يهرب من شيء يطارده، بينما كانت والدته تراقبه بعينين غارقتين في الدموع. ماذا فعل ابنها حتى يصل إلى هذه الحالة؟ كيف لرجلٍ كان دائمًا سندًا لغيره أن يصبح الآن بهذا الضعف؟ قلبه ينهار...وجسده يتحرك بلا روح، كأنه ترك حياته أمام عيني خديجة. ظل يبتعد بخطوات متعثرة، تارةً يكاد يسقط، وتارةً يستعيد توازنه، ثم يسرع من جديد، والدموع تنهمر من عينيه دون أن يحاول حتى إخفاءها. لم يعد يعنيه أن يراه أحد. لم يعد يعنيه شيء. حتى وصل إلى مكانٍ منعزل على الشاطئ، بعيدًا عن أعين الجميع. توقف... ظل واقفًا أمام البحر، يحدّق في الأمواج التي كانت تتكسر بعنف فوق الشاطئ، وكأنها تعكس الفوضى التي تعصف بداخله. ثوانٍ...ثم دقائق... وهو لا يتحرك... فقط يحدّق. كأن البحر وحده يستطيع أن يفهم شيئًا من وجعه. وفجأة...خرجت منه صرخة. صرخة رجلٍ لم يعد يحتمل. صرخة خرجت من أعمق نقطة في روحه، محمّلة بكل ما كتمه من حب، وكل ما ابتلعه من قهر، وكل ما حاول أن يبدو قويًا أمامه. حتى بدت الأمواج وكأنها اضطربت لصوته، فارتفعت بعنف واصطدمت بالشاطئ كأنها تجيبه. ثم هوى على ركبتيه. لم الرجل الذي دخل المكان منذ دقائق. لم يعد الرجل الذي وقف أمام الجميع متماسكًا، يبتسم رغم احتراق قلبه. كان الآن مجرد إنسانٍ مكسور... طفلًا فقد أمه، ولا يعرف كيف يعود إلى حضنها. انحنى بجسده، ودفن وجهه بين كفيه، وانفجرت دموعه بلا رحمة. بكى...بكى كما لم يبكِ من قبل. بكى على حبٍ ظن أنه سيظل له. على امرأةٍ كان يراها وطنه، فإذا بها تصبح فجأة وطنًا لرجلٍ آخر. ضرب بقبضته الرمال، ثم رفع وجهه إلى السماء، وخرج صوته مبحوحًا من شدة الاختناق: _ يا رب عاد يبكي، وكأن السؤال نفسه لم يجد له إجابة. _ليه؟ ثم انحنى من جديد، يضم صدره بيدٍ مرتجفة، يحاول أن يمنع قلبه من السقوط خارج جسده. كان يبكي كطفلٍ فقد أمه... ويبكي كرجلٍ فقد المرأة الوحيدة التي أحبها. وللمرة الأولى... لم يخجل من دموعه.. لأنه لم يعد يملك شيئًا يخسره.. عند خديجة ارتفعت اصوات الموسيقى، وبدأت الفتيات تتراقصن عليها، نهضت جيهان التي شعرت بالسعادة تغمر قلبها، بعدما رأت انهيارهما سحبت كفيها _قومي ارقصي ياعروسة، ايه يابت الليلة ليلتك قالتها وهي تنظر اليها بشماتة، ولكن خديجة سحبت كفيها بعنف، ثم صرخت بها أمام الجميع _ابعدي عني مش عايزة ارقص _جيهان... صاح بها خالد واشار اليها بالابتعاد _مالكيش دعوة بيها حاوط مروان خسر خديجة _خلاص ياخديجة، اللي انت عايزاه، مش ضروري ترقصي ابعدت كفه عنها، ونظرت اليه _وانت كمان متنساش نفسك، اظن بينا اتفاق اقترب وحاوط جسدها بيده الاثنين وسحبها يتراقص على الموسيقى _اتفاق ايه بس ياديجا، انا بقيت جوزك توقفت عن الحركة _بس احنا متفقناش على كدا سحبها اكثر حتى أصبحت بأحضانه _ممكن نتكلم في بيتنا، لاني هموت واروح دلوقتي انتفض جسدها، ابتعدت عنه سريعا وهي تقول _عايزة اروح اشوف امي اومأ برأسه _هنروح نشوفها ياستي، وبكرة الصبح هيكون اشهر دكتور من المانيا عندها مش دا شرطك _شكرا... قالتها وابتعدت تجلس تنظر للمكان الذي كان متوقفا به عبد الرحمــــــــن... مضت فترة الى ان رحل الجميع ولم يتبقى سوى صديقتها واخيها وزوجته واخيها جلست حنان بجوارها _حبيبتي همشي محتاجة حاجة رفعت عيناها اليها وقالت _هو خلاص كدا ياحنان، مبقاش فيه خديجة وعبدالرحمن ضمت يدها وقالت _مش أول ولاخر واحدة ياخديجة، جوزك شكله ابن حلال وبيحبك، انسي الماضي علشان تعيشي _تفتكري هقدر ياحنان، تفتكري االي زي عبدالرحمن يتنسي ربتت على ظهرها بحنان وقالت _اه حبيبتي هيتنسي، لازم يتنسي علشان قبل ماتكوني بقيتي ملك راجل تاني فهو حرام وضعت كفيها على صدرها _يارب انزع حبه من قلبي، يارب انزع حبه من قلبي طالعتها حنان بقلبًا يتمزق، ثم آمنت على دعوتها في تلك اللحظة وصلت جيهان اليها _يلا يا عروسة... علشان هنروح نبات معاكي، أخوكي عايز يطمن عليكي. انتفضت خديجة كأن يدها أحرقتها، ودَفعتها بعيدًا عنها حتى كادت جيهان تفقد توازنها. ثم صاحت أمام الجميع، وقد بلغ بها الاختناق حدّه: _ماتقربيش مني! تراجعت جيهان مذهولة، بينما اندفعت خديجة نحو أخيها، وأشارت إليها بيدٍ مرتجفة: _الست دي متقربش مني... سمعتني يا خالد؟! أنا بكرهها! شهقة جماعية ارتفعت في المكان. لم يعتد أحد أن يسمع خديجة تتحدث بهذه القسوة، لكنها لم تعد تملك رفاهية الصمت. صاحت جيهان بانفعال: _بقى كده يا خديجة؟! شايفين؟! احكموا بيني وبينها... من ساعة ما ظبطتها وهي بتعاملني كده! نهض مروان فورًا، واتجه إليها حتى وقف بينها وبين خديجة. _ابعدي عن مراتي. هي مادام مش عايزاكي، يبقى خلاص. رفعت جيهان حاجبها، ونظرت إليه باستفزاز بارد. _تصدق؟... إنت صح. ثم اقتربت من خديجة فجأة، وأمسكت ذراعها تضغط عليه بقسوة، وانحنت نحوها هامسة بين أسنانها: _مترجعيش تعيطي... وتقولي الحقوني. رمقتها خديجة باشمئزاز، ثم نزعت ذراعها من قبضتها واتجهت لداخل غرفتها نحو حقيبتها. انحنى خالد ليلتقطها عنها، لكنه توقف حين أوقفته بيدها. رفعت عينيها إليه... كانت نظرة واحدة فقط، لكنها جعلته يشعر وكأن أخته قت/لته بها. قالت بصوت مرتجف، لكنه واضح: _مراتك صورتني وأنا بغير... وكانت بتهددني بفضيحة علشان أتجوز اللي كتبلك نص الورشة ورصيد في البنك، يا ابن أمي وأبويا. تجمد خالد مكانه. أما جيهان، فشحبت ملامحها للحظة. اقتربت خديجة من أخيها خطوة أخرى، وعيناها تلمعان بالدموع: _بس أنا ما وافقتش علشان كده. ابتلعت غصتها. _وافقت علشان أمي أولًا... وعلشان أرخصك قدام أبوك يوم الحساب يا خالد. اتسعت عينا خالد. _خديجة... لكنها لم تترك له فرصة. انسابت دموعها بغزارة، وصوتها انكسر للمرة الأولى: _توقف قدام أبوك وتقوله: أنا مش راجل يا بابا... معرفتش أحافظ على أمانتك. ارتجف جفنا خالد. _كل مرة تصرف فيها فلوس... افتكر إنك رخيص أوي، علشان الفلوس دي تمن أختك اللي دفنتها... وأخدت عزاها. _خديجة... إيه اللي بتقوليه ده؟! صرخته خرجت مبحوحة، كأن الكلمات أصابته في أضعف نقطة داخله. لكنها سحبت حقيبتها، واحتضنتها إلى صدرها، ثم استدارت بعينين غارقتين بالدموع تتجولان في أرجاء منزل والدها. ذلك البيت الذي لم يعد لها فيه سوى الذكريات. ثم التفتت إلى خالد. _احتفالك إنت والعقربة مراتك يبقى في بيتك... خدها وامشوا. توقفت لحظة، ثم قالت بصوتٍ حاسم رغم ارتجافه: _أنا عايزة أقفل بيت أبويا. انتفضت جيهان كالمجنونة، واقتربت منها: _بيت مين يا بت اللي تقفليه؟! إنتِ اتجننتي؟! رفعت خديجة عينيها إليها، ثم ابتسمت ابتسامة ساخرة موجوعة، قبل أن تعود بنظرها إلى خالد. _أبويا كان حاسس إنه أمّنني مع واحد مش راجل... علشان كده كتب الشقة دي باسمي. سقطت الكلمات على خالد كالصاعقة. ثم أشارت إلى جيهان دون أن تنظر إليها: _عرّف مراتك يا حنين... وخدها واطلع برّه. صرخت جيهان: _البت دي بتقول إيه يا خالد؟! لكن خالد لم يلتفت إليها. كان واقفًا كالمسمار في مكانه، وعيناه لا تفارقان أخته. كانت كلماتها تدور في رأسه كالمطارق: باعني...دفنني...مش أمين...مراتك صورتني... رفع عينيه ببطء نحو جيهان. هذه المرة لم تكن نظراته غاضبة... كانت نظرات رجل بدأ يشك في الحقيقة التي صدّقها دون أن يبحث عنها. حدّق في وجهها طويلًا، كأنه يحاول أن يجد فيه إجابة واحدة تنقذه من ذلك الشعور الذي بدأ يخنقه. اقترب منها خطوة. _مالك بتبصيلي كده ليه؟ صمت لحظة، ثم قال بصوت خافت: _أيه اللي بسمعه دا تلعثمت جيهان للحظة، فازدادت نظراته إليها شكًا... سحبته للداخل سريعا، واغلقت الباب خلفها _اسمعني قبل ماتحكم سحبت نفسا والقت كلمتها التي دوت كالقنبلة _عبدالرحمن غلط مع اختك، رفعت عيناها اليه سريعا، ولو مش مصدقني الليلة دخلتها، كلامي هيحكم، عارفة انك مش مصدق، خليها تثبت اني كذابة، انا قفشتهم وقولت لك قبل كدا مصدقتش، وامك لما مسكتهم مع بعض كدا، اتشلت، تفتكر امك هيحصل فيها كدا علشان سكر او ضغط قبضة عنيفة كادت تسحب انفاسه _مستحيل خديجة تعمل كدا، ولا عبد الرحمــــــــن، انت قولتي كان حضنها، وهي قالت انهارت علشان امها اقتربت منه وامسكت ذراعيه _طيب انا كدابة، مش الليلة دخلتها، قول لمروان عايز دليل شرف مراتي قبض على ذراعيها بعنف _انت اتجننتي، ايه اللي بتقوليه دا نفضت ذراعها بعنف _لا بقى... لازم تكذبني، يااما كدا، ياتطلقني ياخالد شهق يتطلع اليها بذهول، اومأت واقتربت تشير اليه _اه.. تطلقني، مش مراتك فيها الصفات الوحشة، مش بتقولك صورتها، اه صورتها لما كانت مع عبدالرحمن علشان يبقى دليل، وهددتها علشان خوفت عليك من الفضيحة، خوفت يقول عليك خروف ومعرفتش تربي اختك، كان لازم تتجوز مروان، واه خليته يكتب نص الورشة باسمك ياخالد، علشان دا حقك، مهرها كنت عايز تجوزها بدون مهر، انا لو وحشة كنت خليته يكتبها باسمي _خالد... احنا ماشيين غرست عيناها بعينيه، تشير الى الباب _يلا.. روح واقف ليه، روح لاختك وطلقني، علشان حاولت احافظ على سمعتك وسمعتها، واظن شفت عبدالرحمن بعينك النهاردة كان بيبص عليها ازاي ظل ينظر اايها للحظات ثم خرج، هدأت وتنفست بهدوء _يخربيتك يامروان، رحت قولت لها انك كتبت الورشة... اوووف، بس يارب تطلع زي ماعرفت وماتودنيش في داهية هنا تذكرت حين اوصلها منزل والدها، ورآه اخيها، وقام بتحيته والحديث معه قليلا وبعد مغادرته سألت اخيها _انت تعرف مروان منين ياجابر _مين ميعرفش مروان الحارث، دا مشهور _اااه علشان غني يعني اشعل سيجارته وقال _هو غني اه، بس بتاع بنات وكدا يعني كان بيروح الديسكو االي فيه البت صباح _استنى.. استنى.. ديسكو، ليه هو بيشرب ضحك اخيها وقال _بقولك بتاع بنات، تقولي بيشرب، اسألي صباح هي عرفاه اكتر مني، وبعدين تعالي هنا، ازاي تركبي معاه لوحدك حملت حقيبتها ودلفت للداخل _عادي ياجابر بعد عدة ساعات صعدت الى ابنة جارتها التي تعمل باحد الكباريهات بتقديم المشروبات _عاملة ايه يابت ياصباح _جيهان وحشتيني، يخربيتك، كل مرة بتحلوي يابت ضحكت جيهان واشارت لوالدتها _هكون احسن من امك يابت ازيك ياخالتي _ازيك ياجيهان، كويس انك جيتي، تعالي قولي رأيك الفستان دا احسن ولا دا _ايه ياخالتي مش عايزة تكبري خالص، على العموم البني احسن، ياترى السهرة فين _دا عمك فرح بنت صاحبة عمك مأمون، ومينفعش اروح معاه متبهدلة ضحكت جيهان وقالت _جننتي الراجل ياخالتي، سحبت صباح ودلفت بها للغرفة _عايزاكي في موضوع مهم، قبل ماجوز امك يرجع _خير ياجيهان _انت لسة شغالة في الكباريه يابت _لسة ياختي، ربنا ينتقم منه جوز امي _طيب اسمعيني كويس، عايزة اسألك عن واحد. بيروح عندكم شهقت صباح وقالت _اوعي يكون جوزك يامنيلة _ياريت ياختي، دا اخره حفلة طهور ضحكت صباح ولكزتها _يابت احمدي ربنا مش احسن ماعينه تيجي كدا ولا كدا _طب خليه يعملها كدا، وانا احط صوابعي كلها في ننن عنيه، المهم فيه واحد عندكم اسمه مروان الحارث، تعرفيه ضربت على صدرها شاهقة _يخربيتك... ودا عرفتيه ازاي _اهدي ياختي، انا بسأل بس، اصل فيه بنت عندنا في الشارع لفتت انتباه، فجابر قالي بيروح عندكم _لا لا.. بلاش، قولي لها تبعد عنه _ليه علشان بتاع بنات وكدا، الرجالة كلها في الاول كدا هزت رأسها وهمست اليها _لا.. دا راجل مش ولابد، مجنن بنات الديسكو، وطبعا محدش قادر يتكلم علشان الفلوس _اوعي يابت تكوني بتروحي معاه مصمصمت شفتياه، تهز ايدها _اروح فين ياختي، هو انا بتاعة كدا، حتى ولو، مستحيل اروح معاه ضيقت عيناها بتساؤل ليه دنت تهمس لها بعض الكلمات، فضربت جيهان على صدرها _يالهوي... انت متأكدة _اه والله، دا البت صاحبتي اللي شغالة معايا في نفس الصالة، راحت معاه ليلة كانت هتموت، لو تشوفي جسمها، دا حيوان ياجيهان، شغل حيوانات بالظبط، وقالها لو قولتي لحد هقطع لسانك، وهي مكنتش هتقول، بس شوفتها وهي بتحط كريمات وشكيت، وفضلت اتحايل عليها حكت لي _يعني هو سادي هزت رأسها وقالت ومش بس كدا، مالوش في الجواز شردت جيهان بكلماتها، وتذكرت حديثه عن خديجة _حلوة اوي اخت خالد، هي مرتبطة سألته _ليه بدور على عروسة ولا ايه صمت للحظات ثم اجاب، لو هي اه ليه مااتجوزش ولكنها رفضت قائلة _بس هي مش بتفكر في الجواز دلوقتي، تمتمت بها، رافضة زواج خديجة منه لغناه الفاحش، ولكن بعدما استمعت الى كلمات اخيها، بدأت تفكر بحديثه خرجت من شرودها على كلمات صباح _جيهان قولي للبنت دي ترفضه، بس من غير اسباب، حرام بنت تتجوز واحد زي دا نهضت وهي تهز رأسها _اه طبعا هقولها متقلقيش نهضت تقف بمقابلتها _اوعي الكلام اللي قولته يطلع برة، دا لو عرف معرفش ممكن يعمل ايه، كفاية على جوز امي ربتت على كفتها قائلة _متقلقيش حبيبتي، انا نسيت اصلا، كان لازم اسأل عليه، البنت يتيمة حرام خرجت جيهان من ذكرياتها على صوت خالد _مروان رفض اروح ابات معاه، قالي ميقلقش، ولو فيه حاجة هيتصل خرجت من غرفة خديجة واتجهت للخارج _متكلمنيش ولا لسانك يخاطب لساني، وتنام هنا في بيت امك، وانا هطلع شقتنا _بتقولي ايه ياجهان اتجننتي دفعته بعيدا عنها، وتصنعت البكاء بدلال _ابعد ياخالد، بعد الحب دا كله تشك فيا _جيهان اعقلي... ايه اللي بتقوليه دا دلفت لداخل المطبخ _هسبلك الاكل في المطبخ، بس ميهنش علي تفضل من غير اكل دلف خلفها وقال _جيهان مش قصدي، خديجة صعبت علي دفعته للخارج واشارت _طب روح لها، انا مستحيل اسامحك على شكك في _جيهان... هنا ارتفع رنين هاتفه، فخرج للرد، اتجهت الى المطبخ، واخرجت الحبوب التي تضعها له، وهي تقول _مااشوف يااستاذ خالد هتقضي الليلة ازاي وانت بعيد عني وضعت الطعام على سرفيس، وحملته للخارج، وضعته على الطاولة، في نفس اللحظة التي انهى الاتصال بها التفت اليها نظر للطعام ثم اليها _حمام كمان... ليلتنا فل إن شاءلله _لا ياحبيبي... كنت عاملة منه لاختك، وانا اللي مهتمية بيها، وشوف في الاخر عملت ايه سحبها من خسرها _يابت متبقيش قلبك اسود كدا جلس وجلست فوق ساقيه تطعمه الى أن انتهى، نظرت اليه وبدأت تتدلك عنقه بدلال، ثم طبعت قبلة وفوق شفتيه _تصبح على خير ياخلودتي قالتها ونهضت من فوق ساقيه متجهة الى غرفة خديجة، واغلقتها على نفسها _هشوف انا ولا انت ياخالد، مين اللي هيقدر على التاني عند خديجة وصلت الى المنزل الذي يقطن به مروان، دلفت للداخل، وشعرت بقبضة قوية تعتصر فؤادها دارت عيناها بالمكان، حتى وقعت على وقوفه وهو يضع كفوفه بجيب بنطاله وقالت _اوضتي فين اقترب منها وهو على حاله _اوضتك، هو فيه عروسة تبات ليلة فرحها بعيد عن جوزها استدارت اليه بكامل جسدها _انا اتفقت معاك، اديني وقتي لحد مااخد عليك، وانت وافقت _وقت قد ايه ياخديجة ارتبكت تسحب عيناها منه وقالت _معرفش... وقت مااحس بالامان معاك هز رأسه واشار الى الغرفة _تمام... خدي وقتك، الاوضة اللي على اليمين حملت حقيبتها وقالت _شكرا بقلم سيلا وليد مضى شهرا والحال كما هو، سوى افاقة والدتها من الغيبوبة، كانت تجلس بجوارها تطعمها الطعام الذي سمح به الطبيب، رغم حزن خديجة على زواجها، الا أن استيقاظ والدتها كان النور الذي اضاء حياتها مرة اخرى مررت وجهها على وجه والدتها الشاحب _حمد الله على سلامتك يااغلى من حياتي دمعة نزلت من أعين فاتن على الحزن الذي سكن أعين ابنتها، حاولت أن تنطق ولكنها فقدت النطق انحنت خديجة تقبل كفيها _مش مهم، المهم انك قدام عيوني ياماما، المهم حضنك الدافي قالتها وهي تتسلل الى أحضانها، فتحت جيهان باب الغرفة _جوزك وصل، يلا مش عايز يقعد رفعت فاتن نظرها اليها، اقتربت تطبع قبلة فوق جبينها _بكرة الصبح هاجي لك، وهفضل طول اليوم معاكي رفعت كفها بصعوبة تلمس يد ابنتها، لتنحني خديجة مرة اخرى تقبلها، ثم تحركت وعيناها على والدتها الى أن اختفت خلف الباب، توقفت أمام الممرضة التي تراعي والدتها بمنزلها _امي لو حصلها حاجة هموتك، سمعتيني جلست جيهان تتناول الفاكهة وهي تهز ساقيها _اسمعي كلام المدام، اصلها بتدفع الغالي اوي كل ليلة علشان تخدمي امها، مش بقيتي مدام برضه قالتها بضحكة صاخبة لم ترد عليها، تحركت للخارج مع اصوات الزغاريد التي تخرج من منزل عبد الرحمــــــــن، للحظة شعرت بأن انفاسها تسحب منها، الى أن استمعت احد الجيران _ألف مبروك ياعمر، الف مبروك يابني، عقبال الشهادة الكبيرة يارب خرجت حسناء ترد عليها _الله يبارك فيكي ياحبيبتي، تسلميلي ياام محمد _مبروك ياحسناء، عقبال لما تفرحي برجوع عوف يارب وقعت أعين حسناء على وقوف خديجة أمام سيارة مروان... رفعت عيناها الى حسناء التي دلفت للداخل واغلقت النافذة تحركت الى باب السيارة، وصعدت دون حديث... جلست بجواره في السيارة _هنسافر القاهرة الليلة، سبوع بنت اختي _مقدرش اسيب ماما كدا واروح في حتة قبض على ذراعها بعنف _ماهو علشان تصرفي على امك هتسافري معايا، ومش عايز الحجاب والقرف دا، بعت اجب لك فساتين، البسيها، _دا على ج/ثتي سمعتني _تمام... نروح ونشوف موضوع ج/ثتك دا انكمشت على نفسها بالسيارة ودمعت عيناها تنظر للخارج بعد خمس سنوات... خرجت خديجة من مدرستها بخطواتٍ تكاد تلامس الأرض من فرط سعادتها.... بقلم سيلا وليد اليوم لم يكن يومًا عاديًا... اليوم حصلت على الترقية التي تعبت من أجلها طويلًا، وسمعت أخيرًا كلماتٍ ظلت تتمنى سماعها منذ سنوات؛ كلمات جعلت قلبها يرفرف كأنها استعادت جزءًا من نفسها كانت قد أضاعته الأيام. ابتسمت لنفسها وهي تسير، ثم أخذت نفسًا عميقًا. كانت سعيدة...سعيدة جدًا. وللمرة الأولى منذ زمن، شعرت أن الحياة تمنحها شيئًا دون أن تنتزع منها شيئًا في المقابل. وصلت إلى الشارع الذي تقطن به، وما إن خطت خطوات قليلة حتى توقفت فجأة. صوت طفلة صغيرة اخترق المكان، وهي تبكي بحرقة وتنادي: _بابا... بابا التفتت خديجة، فرأتها تقف وحدها بجوار الرصيف، تمسح دموعها بقبضتيها الصغيرتين، وتلتفت حولها في خوف. اقتربت منها خديجة وانحنت أمامها، محاولة أن ترسم ابتسامة مطمئنة على وجهها. _الجميل بيعيط ليه؟ رفعت الصغيرة عينيها إليها، فازدادت شهقاتها. _عايزة بابا... بابا. تبدلت ملامح خديجة قليلًا، وجلست على ركبتيها أمامها، ثم أمسكت كفيها الصغيرتين بين يديها، وراحت تقبلهما بحنان. _طب بابا فين اشارت بيدها الصغيرة الى كل الاتجاهات،بضياع... مسحت خديجة دموعها ثم نظرت اليها باابتسامة حنونة _ الجميلة اسمها إيه؟ _سيليا. توقفت خديجة للحظة. _سيليا... _الله على جمال الأسم ابتسمت لها رغمًا عنها، وسألتها: _وبابا اسمه إيه يا سيليا؟ وقبل أن تجيب الصغيرة، جاءها صوت من خلفها... صوتٌ تعرفه... صوتٌ لو مرَّ عليها وسط آلاف الأصوات، لعرفته. _سيليا... تجمدت خديجة.. لم تتحرك. كأن جسدها فقد القدرة على الاستجابة. أما الطفلة، فما إن سمعت الصوت حتى رفعت رأسها، ثم أفلتت كف خديجة وركضت نحوه وهي تبكي: _بابا... بودي! تسارعت أنفاس خديجة. لا...مستحيل. استدارت ببطء شديد، وكأنها تخشى أن تصدق عيناها ما يخبرها به قلبها.... بقلم سيلا وليد كان هناك...عبد الرحمن. واقفًا خلفها، بأنفاسٍ متقطعة، وشعره مبعثر قليلًا، وملامحه تحمل آثار خوفٍ واضح... يبحث عن طفلته بجنون. خمس سنوات... خمس سنوات كاملة لم ترَ فيها وجهه. خمس سنوات حاولت خلالها أن تقنع قلبها بأنه صار ماضيًا، وأن اسمه لم يعد يعني لها شيئًا. لكن قلبها...بمجرد أن رأته، فضح كل الأكاذيب التي أخبرتها بها طوال تلك السنوات. ركضت سيليا إليه، فانحنى سريعًا وحملها بين ذراعيه، يضمها إلى صدره ويقبل رأسها بعصبية ممزوجة بالخوف. _كده تنزلي من غير ما تعرفيني؟! مين جابك هنا يا سيليا؟ رفعت الصغيرة يدها وأشارت خلفه بحماس بريء: _الآنطي دي. ابتسم عبد الرحمن تلقائيًا، وما زال يحتضن طفلته. _الآنطي دي؟ ثم استدار... وفي اللحظة التي وقعت فيها عيناه عليها...توقف كل شيء. لم يعد هناك شي يسمع او يراه، انقطع النفس ولم يشعر بنفسه، وهو يراها أمامه هي.خديجة. وقف ساكنًا، وكأن السنوات الخمس لم تكن سوى لحظة واحدة انقضت بين غمضة عين وفتحها. تعلقت عيناه بملامحها التي تغيرت قليلًا، لكنها ما زالت هي... بنفس العينين اللتين ظلتا تطاردانه في لياليه، وبنفس الملامح التي حاول بكل قوته أن يدفنها في ذاكرته، فلم يستطع. أما خديجة، فظلت واقفة مكانها. لم تستطع حتى أن تبتلع ريقها. كانت تحدق فيه وكأنها أمام حلمٍ تخشى أن تفتح عينيها فتستيقظ منه. ثم هبط بصرها ببطء إلى الطفلة التي بين ذراعيه.ابنته.. ارتعشت شفتاها. وعاد بصرها إليه. التقت عيناهما من جديد... وفي تلك اللحظة، لم تحتج خديجة إلى سؤال.. فملامحه كانت تقول كل شيء. كل الوجع.. كل الاشتياق. كل ما أخفاه خلف سنوات الغياب. وكل ما لم يمت بينهما رغم مرور السنوات. أما هو، فظل ينظر إليها بصمت، وكأن أول سؤال مرَّ في قلبه لم يكن كيف استطعتِ أن تعيشي كل هذه السنوات... وأنا لم أستطع أن أنساكِ يومًا واحدًا؟