بنتي

وقفت مكاني في طرقة الشقة. ريحة منظف اللافندر والكلور كانت مالية المكان، وصوت المية كان لسه شغال ورا باب الحمام المقفول. وبعدين سمعت مراتي بترد بنفس الصوت الهادي اللي كانت بتستخدمه دايمًا لما يكون فيه حد تاني موجود: «البنات الشاطرة ما تشتكيش يا ليان.»

إيدي اتحطت على أوكرة الباب من غير ما أفكر. فتحت الباب.
لقيت بنتي ليان، عندها أربع سنين، واقفة حافية جنب البانيو، وإيديها الاتنين ماسكين الحافة بقوة.
وشها كان باين عليه التوتر، ودراعاتها متأثرة بسخونية المية.
مراتي نادين كانت واقفة وراها، وفي إيدها فوطة صغيرة.

ثانية واحدة محدش فينا اتحرك، وبعدين ليان شافتني وقالت: «بابا…»
بس اللي خوّفني إن صوتها ما كانش صوت طفلة لقت أبوها واطمنت؛ كان فيه خوف واضح. بنتي ما جريتش عليّا، بالعكس… جسمها كله اتشد، ووقفت مكانها كأنها مستنية يحصل لها حاجة.

اسمي كريم الشناوي، عندي أربعة وأربعين سنة، وكنت صاحب شركة في مجال المقاولات بالقاهرة. طول عمري فاكر إن أسوأ حاجة عملتها في حق ولادي إني انشغلت عنهم بالشغل، بس في اليوم ده اكتشفت إني كنت غلطان في أمور أكتر بكتير.

بصيت لنادين وقلت: «إيه اللي حصل؟»
نادين استوعبت الموقف بسرعة وقالت بابتسامة هادية: «إنت خوفتنا يا كريم.. ليان وقعت منها شوية شامبو، وأنا كنت بغسلها.»

قربت خطوة، والمية لسه نازلة، والبخار طالع من البانيو. قلت لنادين: «اقفلي المية.»
رمشت بعينيها وقالت: «كريم…»
زعقت من غير ما أقصد: «اقفلي المية!»
مدت إيدها وقفلت الحنفية.

نزلت على ركبتي جنب ليان، وبصيت لها وقلت: «إنتي لمستي المية السخنة؟»
ليان بصت لنادين، والنظرة دي قالتلي أكتر من أي إجابة. وبعدين قالت بصوت واطي: «أنا وقعت الزجاجة.»
صوتها كان ثابت بشكل غريب، كأنها حفظت الإجابة دي قبل كده.

شيلتها بين دراعاتي، وفي الأول جسمها اتخشب كأنها اتخضت، وبعدين دفنت وشها في رقبتي.
نادين اتضايقت وقالت: «إنت كده بتخوفها.. دي طفلة ودي مشكلة دراما كل ما تيجي تستحمى.»
سألتها: «من إمتى؟»
ردت بسرعة: «إنت أصلًا مش موجود وقت حمامها يا كريم.»

الكلمة نزلت عليّا تقيلة لأنها كانت حقيقة. أنا طول الوقت في الشغل، اجتماعات، سفر، ومشاريع جديدة. مراتي الأولى سارة ماتت من سنتين، وسابتلي ليان وياسين اللي كان لسه مولود. بعد موتها، أنا رميت نفسي في الشغل هرباً من مواجهة الحزن، ونادين دخلت حياتنا بعد سنة ونص لتساعدنا في تنظيم البيت ورعاية الأطفال. كل الناس كانوا بيقولولي إني محظوظ بها، وأنا كنت بحاول أصدقهم.

1 2 3الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *