حكايات محمد نور

— ماذا؟

— تقدمتُ بطلب رسمي لإنهاء خدمتي العسكرية النشطة.

— اسحبيه فوراً!

جاء رده قاطعاً وفورياً، لم يكن رجاءً.. بل كان أمراً سُلطوياً.

كادت تملكني رغبة في الضحك..

على مدار سبع سنوات، نجح تماماً في إقناعي بأنني بحاجة إلى هذا المكان، وبحاجة إلى موافقته ورضاه.. وبأن الرتبة والزواج والحياة التي وعدني بها ستتحقق يوماً ما.

والآن، كان ما يزال يظن أن كلمة واحدة منه قادرة على إعادتي لبيته وطاعته.

— لن أسحبه.

حدق فيّ طارق:

— ماذا قلتِ؟

— قلتُ لن أسحبه.

رأيتُ شيئاً غريباً في عينيه.. لم يكن حزناً، ليس بعد.. بل كان ارتباكاً ورعباً؛ ارتباك شخص يضغط على زر التشغيل ليكتشف أن الآلة توقفت عن إطاعته.

— سنتحدث لاحقاً.

— لا يوجد شيء نتحدث عنه.. أستأذنك بالانصراف يا سيادة اللواء.

صمت القائد لثوانٍ ثم أومأ برأسه موافقاً.

وحين مررتُ بجوار طارق، خفض صوته وقال بنبرة حادة:

— مريم.. لا تفعلي شيئاً تندمين عليه لاحقاً.

توقفتُ لحظة..

لو قالها قبل أيام لزلزلتني، لكنني سمعتُ بأذني ما يفكره بي حقاً: “إن أرادت الرحيل فلن يغير ذلك شيئاً”.

لذا اكتفيتُ بالرد:

— هذا بالظبط ما فكرتُ فيه هذا الصباح.

ومشيتُ دون أن ألتفت.

2. التصدع الأول

في تلك الليلة، اقتحم طارق غرفتي بالثكنة. طرق الباب مرتين ودخل قبل أن أأذن له.. كعادته.

كنتُ أطوي زيّي العسكري.

— ماذا تفعلين؟

— أجمع أمتعتي.

— مريم!

مرر يده في شعره بانفعال:

— كفّي عن التصرف بطيش وطيش!

واصلتُ ترتيب ملابسي:

— الطلب قُدّم رسمياً.

— أستطيع إيقافه وتجميده!

توقفت يداي، ونظرتُ إليه:

— إذن افعلها.

كنتُ أعلم أن هذا الرد سيقلقه أكثر؛ فقد كان يتوقع مني الجدال والصراخ.

— ماذا تقصدين؟

— افعل ما تراه مناسباً.. لن أجادلك.

— ألن تسأليني لماذا وصيتُ بـ “ريم”؟

ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيّ:

— أعرف السبب بالفعل.

وللمرة الأولى، رأيتُ خوفاً حقيقياً يرتسم في عينيه:

— ماذا تعرفين؟

— ما يكفي.

أدرك الحقيقة أخيراً:

— أنتِ.. سمعتِ المحادثة؟

لم أجب، فأغلق الباب خلفه بقوة:

— مريم.. الأمور ليست بهذه البساطة! والد ريم يملك نفوذاً واسعاً في القيادة العامة، وكسب ولاءه يخدم كتيبتنا ومستقبلنا!

— فهمت.

— وأنا لم أحرمكِ من شيء تحتاجينه حقاً!

رفعتُ بصري بنظرة حادة:

— لم تحرمني؟

— مسيرتكِ المهنية ناجحة ومستقرة!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *