ادم وحنين

​آدم كان بيبصلها بنظرة ثلجية، نظرة مستنية ردها، مستني يشوف انكسارها اللي هو متخيله. بس حنين، بنت “عبد الصمد”، اللي اتربت في الورشة ووسط العمال، اتعلمت إزاي تقف على رجليها حتى لو روحها بتنزف.

​بلعت الغصة اللي في حلقها بصعوبة، رسمت على وشها ابتسامة باردة جداً، مهنية لأقصى درجة، وردت بصوت ثابت رغم الزلزال اللي جواها:

“موافقة طبعاً يا مستر آدم.. الشغل شغل، ومصلحة ورشة والدي فوق أي اعتبارات شخصية. ألف مبروك لحضرتك.. وللعروسة. عن إذنكم، هبدأ شغل في الفيلا من بكرة الصبح.”

​لفت ضهرها وخرجت من المكتب بخطوات سريعة، كأنها بتهرب من وحش بيطاردها. أول ما باب الشركة اتقفل وراها، دموعها خانتها ونزلت على خدها زي المطر. عيطت على آدم اللي ضاع منها، على قسوة الأيام، وعلى كبريائها اللي خلاها تخسر أكتر إنسان حبها في الدنيا، ودلوقتي رايحة تبني وتزين بيت هيعيش فيه مع واحدة تانية.

​في المكتب، آدم فضل باصص على الباب اللي اتقفل وراها، ملامحه القاسية اتغيرت، وغمض عينيه بتنهيدة طويلة كلها تعب. الست اللي جنبه سابت إيده وضحكت بخفة وقالت:

“يا ساتر عليك يا آدم! إيه الجحود ده؟ البنت كان ناقص يغمى عليها. مش كفاية بقى؟”

​فتح عينيه وبصلها بضيق:

“مش كفاية يا ليلى.. مش كفاية. حنين لازم تفهم إن الدنيا مش بتمشي على مزاجها، وإن الكلمة اللي بتطلع بتكسر، وتصليح الكسر بياخد وقت. خليكي في فرحك إنتي وياسين خطيبك وركزي في قاعتك اللي دوشتيني بيها دي.”

​ليلى (بنت خالته) ابتسمت بحنان وطبطبت على كتفه:

“أنا بعمل كده عشانك يا آدم، لأنك طول الخمس سنين اللي فاتوا مكنتش عايش، كنت مجرد آلة شغل. البنت دي هي روحك، بس إنت بتعذب نفسك قبل ما بتعذبها. عموماً، أنا هكمل في الدور شوية عشان خاطرك، بس خلي بالك.. لو خيط العند اتشد أكتر من كده، هيتقطع ومش هتعرف توصله تاني.”

​في اليوم التالي…

​الشمس كانت لسه بتشق طريقها لما حنين وصلت لعنوان الفيلا. وقفت قدام البوابة الحديدية الضخمة مبهورة. الفيلا كانت تحفة معمارية، مبنية على طراز كلاسيكي حديث، بس كانت من جوه محتاجة روح، محتاجة ألوان، محتاجة حياة.

​دخلت ومعاها فريق العمال بتاعها. غيرت هدومها ولبست “أفرول” الشغل، لمت شعرها ديل حصان عشوائي، وبدأت توزع المهام بصرامة وقوة. كانت بتحاول تدفن وجعها في الشغل. كل حيطة بتدهنها، كل زاوية بتصممها، كانت بتحط فيها حتة من قلبها. كانت بتختار الألوان اللي آدم بيحبها.. كانت فاكرة كل تفصيلة عنه، بيحب الدرجات الدافية، بيكره الإضاءة المباشرة، بيعشق الخشب الطبيعي. كانت بتصمم البيت كأنه بيتها هي، مش قادرة تمنع نفسها من إنها تتخيل حياتهم هنا.. لو كانت الأمور مشيت صح.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *