ادم وحنين

​مرت أسابيع، وحنين شغالة ليل نهار. آدم كان بييجي الفيلا كل يومين بحجة “متابعة الشغل”. كان بيقف بعيد، يتفرج عليها وهي واقفة على السقالة، وشها متعاص بويه، بتضحك مع العمال وبتشجعهم. كان بيشوف فيها حنين القديمة، البنت الشغوفة المليانة حيوية. بس أول ما كانت تلمحه، الضحكة بتختفي، وتلبس وش المهندسة الرسمية.

​في يوم، كانت بتشرف على تركيب مكتبة خشبية ضخمة في غرفة المكتب. آدم دخل الأوضة، وقف وراها فجأة وقال بصوته الأجش:

“اللون ده غامق أوي يا باشمهندسة.. أنا طلبت ألوان تدي مساحة، مش تقبض الصدر.”

​اتخضت من صوته بس تماسكت، لفت له وقالت بثقة:

“اللون ده ‘جوز البلوط’، لون فخم وبيدي هيبة للمكان. ولما الإضاءة الدافية اللي صممتها تتوزع عليه، هيدي إحساس بالدفا والاحتواء.. مش كل حاجة غامقة بتقبض الصدر يا مستر آدم، أحياناً الغوامق بتداري وراها أمان بنحتاجه.”

​بصلها في عينيها أوي، كأن الكلمات ليها معنى تاني خالص. قرب خطوة وقال بصوت واطي:

“وأحياناً الغوامق بتداري وراها قسوة مفيش نور بيقدر يخترقها. العروسة مش حابة اللون ده، غيريه.”

​الكلمة ضربت في قلبها زي الرصاصة. “العروسة”. بلعت ريقها اللي طعمه بقى مر، وهزت راسها وقالت بصوت حاولت تخليه ثابت:

“حاضر.. هيتغير. طلبات العروسة أوامر.”

​سابها ومشي، وهي قعدت على الأرض وسط الخشب والمسامير، ودفنت وشها بين إيديها وعيطت بصمت. كانت تعبت.. الاستنزاف النفسي ده أكبر من طاقتها.

​نقطة الانهيار…

​بعد مرور شهرين، الشغل كان بيخلص. الفيلا بقت تحفة فنية تتدرس. كل ركن فيها بينطق بالجمال والرقي. في الليلة دي، كان الجو برة بيشتي جامد أوي، رعد وبرق ومطر مبيقفش. العمال مشيوا، وحنين فضلت لوحدها بتحط اللمسات الأخيرة في غرفة النوم الرئيسية. كانت بتعلق لوحة فنية اختارتها بنفسها.

​فجأة، الكهربا قطعت في الفيلا كلها. الدنيا ضلمت كحل، وصوت الرعد كان مرعب. حنين بتخاف من الضلمة، ده سر محدش يعرفه غير آدم. رجعت لورا بخوف، خبطت في سلم خشب، وكانت هتقع لولا إيد قوية، صلبة، دافية، لفت حوالين وسطها ورفعتها بسرعة.

​ريحة عطره ملت المكان. كان آدم.

“إنتي كويسة؟” قالها بصوت فيه لهفة حقيقية مقدرش يداريها.

​حنين زقته بخفة وبدأت تاخد نفسها بصعوبة:

“أنا.. أنا كويسة. إنت إيه اللي جابك في الوقت ده؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *