وصية بنتي عالم حكايات مريم


وصية بنتي
عالم حكايات مريم
كانت الساعة 3:17 الفجر لما خرج الدكتور من أوضة العناية المركزة، وشال الكمامة من على وشه، وبصلي بنظرة فهمت منها كل حاجة قبل ما ينطق.
حرك راسه ببطء وقال:
— البقاء لله يا مدام مريم…
وقتها حسيت إن الدنيا كلها وقفت.
مريم…
بنتي الوحيدة.
تلات سنين وأربع شهور.
البنت اللي كانت كل حياتي، واللي قضيت عمرها القصير وأنا بجري بيها من دكتور لدكتور، ومن مستشفى لمستشفى، عشان قلبها المريض.
وقعت على الأرض وأنا بقول:
— لأ… لأ يا دكتور، إنت غلطان… بنتي كانت لسه بتكلمني من شوية!
لكن الدكتور ما ردش.
مد إيده وحطها على كتفي.
— إحنا عملنا كل اللي نقدر عليه.
صرخت:
— لأ! الدوا… الدوا كان المفروض يوصل!
خفض عينيه وقال:
— إحنا بلغنا حضرتك إن الدواء ما وصلش.
بصيت له وأنا مش مستوعبة.
— بس جوزي قال إنه خلّص الموضوع!
سكت الدكتور.
وفي اللحظة دي رن موبايلي.
كان أحمد.
جوزي.
بصيت للشاشة وأنا مش مصدقة إنه بيتصل بعد كل الساعات دي.
رديت.
— ألو…
جالي صوته عادي جدًا:
— مريم ماتت؟
حسيت إن قلبي اتقطع.
— أيوه… ماتت يا أحمد.
سكت ثانيتين.
وبعدين قال بمنتهى البرود:
— طيب كويس إنك موجودة هناك… خليكي في المستشفى، وأنا هتصرف في موضوع الدوا اللي كان ناقص.
صرخت:
— الدوا؟!
قال:
— أيوه.
وبعدين سألني فجأة:
— هو موضوع التبرع بالقرنية لسه ممكن؟
ما فهمتش.
— إيه؟
قال:
— قرنية مريم. الدكتورة داليا قالت إن بنتها محتاجة زرع قرنية بشكل عاجل. لو ينفع، وقّعي على التبرع.
سكت.
كنت حاضنة مخدة مريم الصغيرة.
المخدة اللي كانت بتنام عليها كل ليلة.
بصيت ناحية باب المشرحة.
وبعدين رجعت سمعت صوته:
— مريم ماتت خلاص يا مريم… خلي موتها يفيد حد.
وقتها حسيت بحاجة جوايا ماتت غير بنتي.
حاجة اسمها…
الثقة.
قلت بهدوء:
— إنت عارف إن بنتك ماتت بسبب إن الدوا ما وصلش؟
قال بسرعة:
— إيه الكلام ده؟ أنا كنت متابع.
ضحكت.
ضحكة قصيرة مليانة وجع.
— متابع؟
وبصيت على سجل المكالمات قدامي.
47 مكالمة.
سبعة وأربعين مرة اتصلت بيه خلال آخر 72 ساعة.
ولا مرة رد.
قلت:
— أنا اتصلت بيك سبعة وأربعين مرة.
قال:
— كنت مشغول.
— في إيه؟
سكت.
وبعدين قال:
— مريم ماتت يا مريم، مش وقت خناقات.
قفلت في وشه.
ولأول مرة من ست سنين…
ما خفتش.
قبل ست سنين، لما اتجوزت أحمد، أبويا كان رافض.





