جب أنتقامي. مايا خالد

حب أنتقامي مايا خالد
ليلى كانت واقفة قدام باب فيلته، والشنطة في إيدها كأنها شايلة جبل. مش زفة دي، دي جنازة لكل أحلامها. أختها ماتت وسابت عيال لحم ودم، وأهلها ملقوش حل غير إن “الخالة” تحل محل “الأم”. دخلت البيت وهي كارهة ريحة الحيطان، وكارهة صاحب البيت نفسه.
بدر كان واقف في الصالة، لابس قميصه الأسود وفاتح أول زرارين، ملامحه زي الصخر، مبيتهزش. أول ما شافها، عينه لمعت لمعة غريبة، بس سرعان ما قلبها لنظرة برود تخلي الواحد يتكتك في مكانه.
”نورتي بيتك يا ليلى.. ولو إن ‘بيت’ دي كلمة واسعة شوية. إنتي هنا عشان الولاد، مسموح لك تتحركي في حدود أوضتهم والمطبخ، وأي خروج أو دخول بإذني أنا. فاهمة؟”
بصت له بقرف، وعينها مليانة دموع محبوسة:
“أنا هنا عشان ولاد أختي وبس يا بدر. أنت بالنسبة لي مجرد عقاب أنا مضطرة أتحمله. متفتكرش إن الورقة اللي اتكتبت دي هتخليك تلمس طرفي.”
ضحك ضحكة مكتومة، باردة، ورجع خصلة شعر من على وشها بصباعه وهو بيضغط على سنانه:
“ومين قالك إني عايز ألمسك؟ أنا عايزك بس قدام عيني، زي الفازة اللي في الركن.. ممنوع تتحرك من مكانها غير بأمري.”
الأيام كانت بتمر تقيلة. ليلى كانت بتتعامل ببرود يفرس، بتنفذ طلباته كأنها آلة، وهو كان بيفرض سيطرته عليها في كل صغيرة وكبيرة. يمنعها تمسك الموبايل في وقت معين، يختار لها لبسها، ويراقب كل نظرة عين منها. تملك مرضي متغطي بقناع من الجمود.
وفي ليلة، الدنيا كانت بتمطر، والكهرباء قطعت. ليلى دخلت مكتبه تدور على كشاف، لقت الباب موارب. شافت بدر قاعد في الضلمة، ومنور شمعة واحدة، وماسك في إيده “أجندة” قديمة قوي.
قربت من غير ما يحس، وشافت الصدمة. الأجندة كانت مليانة صور ليها هي.. صور من أيام الجامعة، صور وهي بتضحك في الشارع، وصور تانية هي نفسها متعرفش مين صورها لها.
كانت مكتوبة جملة واحدة بخط إيده تحت كل صورة: “لو مكنتيش ليا، مش هتكوني لغيري.. حتى لو اضطريت أحرق الكل عشان أوصلك.”
ليلى رجعت لورا وهي مرعوبة، خبطت في فازة وقعت اتكسرت. بدر قام زي الوحش، وفي ثانية كان محاصرها بينه وبين الحيطة. أنفاسه كانت سريعة، وعينه اللي كانت باردة فجأة بقت شعلة نار.
”شوفتي اللي كان مستخبي يا ليلى؟ شوفتي السنين اللي كنت بموت فيها وأنا شايفك بتكبري قدامي لغيري؟”
ليلى بصوت بيترعش: “أنت مجنون.. أنت اتجوزت أختي عشان…”
قاطعها وهو بيضغط على إيدها بقوة:
“اتجوزتها عشان أكون قريب منك! عشان أدخل بيتكم وأبقى ‘جوز أختك’ اللي ملوش حق يقرب، بس ليه حق يبص. ودلوقتي القدر خدها، وجابك لحد عندي يا قطتي.. والمرة دي، مفيش هروب.”
سابها وخرج وقفل الباب بالمفتاح من بره، وسابها في الضلمة تدرك إنها مكنتش ضحية ظروف، دي كانت ضحية خطة بدأت من سنين، وإن الراجل “البارد” ده هو أخطر عاشق ممكن تقابله في حياتها.
بعد أسبوع من حبس الأنفاس، بدر قرر إن الوقت جه عشان يظهر “ليلى” للعالم كـ ممتلكات خاصة ليه. كان فيه حفلة كبيرة في فيلته، رجال أعمال وصحافة، والكل جاي يبارك للزوجين الجداد.
دخل الأوضة عليها، لقاها قاعدة قدام المراية، لابسة أسود في أسود، عيونها باهتة ومفيش أثر لأي زينة. وقف وراها، وبص لانعكاسها في المراية بجمود، وطلع علبة قطيفة حمراء فيها عقد ألماس يخطف العين.
”البسي ده.. وعايز ابتسامة مرسومة بالمسطرة. الناس بره مش لازم يعرفوا إنك هنا زي العصفور المكسور.”
ليلى بصت للعقد بقرف وقالت بصوت ميت:
“مش هلبس حاجة منك، ومش هخرج. وريني هتعمل إيه؟ هتجرجرني قدام الناس؟”
بدر ملامحه متغبرتش، وطى لمستوى ودنها وهمس بفحيح بارد:
“الولاد يا ليلى.. لو مخرجتيش دلوقتي ويدك في يدي، هسفرهم مدرسة داخلي في لندن بكرة الصبح، وهتنسي شكلهم لحد ما يتخرجوا. اختاري.. كبريائك ولا هما؟”
نزلت ليلى وهي ساندة على دراعه، كانت زي الملكة الحزينة. بدر كان بيسلم على الضيوف ببرود وثبات، وإيده كانت ضاغطة على وسطها بتملك مرعب، كأنه بيطبع ملكيته عليها قدام الكل.
في وسط الحفلة، واحد من رجال الأعمال “سليم”، كان عارف ليلى من زمان، قرب منهم وقال بابتسامة:
“ألف مبروك يا بدر بيه.. ليلى هانم طول عمرها مميزة، خسارة إنها اختفت السنين اللي فاتت دي.”
بدر عينه اسودت، وشد ليلى ناحيته أكتر، ورد بنبرة خلت سليم يرجع خطوة لورا:
“مختفتش يا سليم بيه.. كانت بتستعد لمكانها الحقيقي. والتميز اللي بتكلم عنه ده بقى ملكي أنا وبس.. ياريت تفتكر ده كويس وأنت بتبصلها.”
ليلى كانت حاسة إنها بتختنق، استأذنت وطلعت التراس تشم هوا. فجأة لقت بدر وراها، قفل باب التراس بالمفتاح وحاصرها بينه وبين السور الحديد.
”سليم كان بيبصلك إزاي؟” سألها بصوت واطي ومرعب.
ليلى ردت بتحدي: “كان بيبصلي كبني آدمة، مش كجارية زي ما أنت بتعمل!”
بدر ضحك ضحكة مكتومة، وقرب وشه منها لدرجة إن أنفاسهم اختلطت:
“أنا مش بملكك كجارية.. أنا بملكك كروح. أنفاسك دي ملكي، نظرة عينك دي ملكي. ولو فكرتي بس تبصي لغيري، هحرق الدنيا باللي فيها.”
فجأة، ليلى شافت في جيب جاكيت بدر طرف “مفتاح” غريب، لونه نحاسي قديم.. افتكرت إنها شافته قبل كده في صورة أختها الراحلة.
بدر لاحظ نظرتها للمفتاح، ملامحه قلبت لجمود مخيف، وهمس:
“المفتاح ده بيفتح باب مكنش لازم تعرفي مكانه يا ليلى.. بس بما إن الفضول بدأ يشتغل، تعالي أوريكي الحقيقة المرة.”
سحبها من إيدها بقوة وطلعوا للدور التالت، الدور اللي كان دايماً مقفول وممنوع حد يهوب ناحيته. فتح الباب النحاسي، وليلى شهقت من الصدمة..
الأوضة كانت نسخة طبق الأصل من أوضتها في بيت أهلها زمان! حتى الريحة، الستائر، الكتب.. وكل ركن فيها فيه “تسجيلات” صوتية لصوتها وهي بتغني أو بتتكلم، متسجلة من سنين طويلة.
بدر بصلها وعينه مليانة جنون:
“كنت بجيبك هنا كل ليلة وأنا متجوز أختك.. كنتي عايشة معايا هنا في خيالي، ودلوقتي بقيتي حقيقة. مفيش خروج من هنا يا ليلى.. أبداً.”
تفتكري ليلى هتعمل إيه بعد ما اكتشفت إن هوسه بيها واصل لمرحلة “المرض”؟





