اختبار حمض نووي

بل على الورقة فوق الطاولة.
ورقة واحدة…
كفيلة بتحطيم عمر كامل.
اقترب ببطء شديد.
نظر أولًا إليّ.
ثم إلى خليل.
ثم إلى اسمه المكتوب أعلى نتيجة التحليل.
وعندما قرأ السطر:
“احتمالية الأبوة: 0.00٪”
تغيّر وجهه بالكامل، كأن الحياة انسحبت منه دفعة واحدة.
همس بصوت خافت:
“لا…”
لم يصرخ.
لم يكسر شيئًا.
لم ينهَر كما توقعت.
وهذا… كان أكثر رعبًا من أي صراخ.
رفع عينيه نحو خليل مباشرة، وقال بصوت محطم:
“قل لي إنها كذبة.”
لكن خليل خفض عينيه إلى الأرض.
وفي تلك الثانية… فهم إمري كل شيء.
حتى الأشياء التي لم نقلها.
جلس ببطء على الكرسي الخشبي، ثم وضع كيس الخبز فوق الطاولة، كأن يديه لم تعودا قادرتين على حمل أي شيء بعد الآن.
ثم سأل بصوت مبحوح، بالكاد خرج من بين شفتيه:
“والبنتان…؟”
شعرتُ أن الكلمات ست*ق*ت*لني وأنا أنطقها، لكنني أجبت أخيرًا وأنا أبكي:
“هما ابنتا خليل.”
أغلق عينيه فورًا.
ورأيتُ صدره يرتفع وينخفض بسرعة، كأنه يختنق ويحاول التقاط الهواء دون جدوى.
مرّت دقيقة كاملة…
دقيقة ثقيلة ومخيفة، لم ينطق فيها أحد بكلمة.
ثم نهض فجأة.
تقدّم نحو خليل بخطوات بطيئة، لكن الغضب في عينيه كان مرعبًا.
ولأول مرة في حياتي… رأيت ابني يض*رب أحدًا.
لكمة واحدة فقط.
لكنها كانت محمّلة بكل السنوات التي وثق به فيها، بكل مرة دعاه فيها “أخي”، بكل موقف وقف معه فيه دون تردد.
وقع خليل على الأرض، وسال الدم من شفته.
صرختُ مذعورة:
“إمري! كفى!”
لكن إمري لم ينظر إليه حتى.
ظل يحدق فيه بعينين مكسورتين، ثم قال بصوت لم أسمع في حياتي ألمًا يشبهه:
“كنتَ أخي.”
ثم استدار وخرج من الغرفة.
ركضتُ خلفه بخوف، فوجدته ينزل الدرج بسرعة، ويعبر المطعم دون أن ينظر إلى أحد.
الزبائن صمتوا فور أن رأوا وجهه.
حتى عامل الشاي توقف عن الحركة وهو يحمل الصينية بين يديه.
ناديتُ خلفه:
“إمري!”
لكنه خرج تحت المطر… دون أن يلتفت.
وفي تلك الليلة…
اختفى.
أغلق هاتفه، ولم يعد إلى البيت.
مرت ساعات طويلة، ثم يوم كامل… ثم يومان.
كنتُ أم*وت خوفًا عليه.
أما إليف، فكانت تبكي في الغرفة طوال الوقت، بينما الطفلتان تسألان ببراءة مؤلمة:
“أين بابا؟”
وفي مساء اليوم الثالث…
فُتح باب المطعم أخيرًا.
دخل إمري ببطء.
كانت ملابسه مبتلة، ولحيته غير مرتبة، وعيناه كأنهما شاختا عشر سنوات دفعة واحدة.





