روماني مكرم 3

كلام أبويا كان أكبر مكافأة ليا في الدنيا، حسيت إن التعب والشقا وقلة النوم وغسيل المواعين وطبيخ الأكل للمرضى، كل ده انزاح من على ضهري في ثانية واحدة.
قعدنا جنب أبويا لحد ما اتطمن تماماً ونام في سلام، والدكتور قالنا إن حالته بقت مستقرة وممكن يخرج بعد يومين. سبنا أختي الكبيرة وعمي غريب معاه في المستشفى، ورجعت أنا وعصام على البيت عشان نطمن أمي ونيرمين ونقولهم الأخبار الحلوة.
أول ما دخلنا الشارع، الجيران كانوا واقفين ومستنيينا، والكل بقى يبص لعصام وليا باحترام بعد ما عرفوا إننا وقفنا في وش المعلم فرج وكسرنا عينه بالحق والورق القديم. دخلنا البيت، وأمي أول ما شافت عصام داخل سليم ومن غير بوليس، صرخت من الفرحة وفضلت تدعي وتعيط وهي في السرير، وعصام جرى عليها وارتمى في أحضانها زي العيل الصغير اللي كان تايه ورجع لأمه.
أما نيرمين.. فكانت قاعدة على كرسيفا المتحرك في الصالة، عينيها كانت مليانة دموع بس مش دموع حزن، كانت دموع راحة وأمل. عصام قرب منها وقعد على ركبه قدام الكرسي، ومسك إيديها الإتنين وباسهم وقالها وصوته مخنوق: “سامحيني يا نيرمين.. ظلمتك معايا وسيبتك سنتين شايلة جبل ميهدوش غير الرجالة، وضيعت دهبك وشقاكي في الغربة بسب غبائي وطمعي.. ربنا يعلم أنا راجع مكسور إزاي، بس وحياة غلاوتك وغلاوة بناتي عندك، لأعوضك عن كل دمعة وكل يوم عشتيه في هم بسببي”.
نيرمين حطت إيدها المجبسة على راسه وقالتله: “مسامحاك يا عصام.. المهم إنك رجعت لنا بالسلامة، والفلوس بتروح وتيجي، والدهب يتعوض.. المهم إن بيتنا متهدش، ولمتنا مِتفرفطتش”.
في اللحظة دي، نيرمين بصت لي وأشارت لي بإيدها التانية، فقربت وقعدت جنبهم. نيرمين حطت إيدها في إيدي وقالت لعصام: “أخوك عصام ده سندي يا نادية.. بس أنتِ طلعتي الظهر والوتد اللي شال البيت كله لما السقف كان هيقع فوق دماغنا. أنا من هنا ورايح مش هقولك يا نادية.. أنا هقولك يا أختي الكبيرة وسند عيلتي”.
البيت رجع فيه النفس من تاني، المعركة الصامتة اللي بدأت بسببي وبسبب أنانيتي وخوفي من المسؤولية، انتهت بأكبر درس اتعلمته في حياتي.. إن الست مش بشكلها ولا بدلعها، الست بوقفتها وقت الشدة وتحملها للمسؤولية.
مر يومين، وأبويا خرج من المستشفى ورجع البيت وسط زفة من أهل البلد وعمي غريب منور الصالة معانا، والكل بقى متجمع حوالين طبلية واحدة؛ أمي بدأت تتحرك خفيف، ونيرمين رجلها بتتحسن، وعصام نزل يدور على شغل في الزقازيق من تاني عشان يبدأ من الصفر بـ كرامته وفي وسط أهله.





