منقذي الميت مايا خالد
نزل آسر والرشاش في إيده، ومريم نزلت وهي رافعة إيديها لفوق عشان تبين إنها مش ناوية على غدر.
آسر، سارة ماتت وهي بتساعدنا، كانت مصدرنا جوه مكتب البارون. موتها وجعنا زي ما وجعك.
آسر صرخ فيها والدم بيفور في عروقه: لو كان وجعكم كنتم جبتوا حقها! سنة كاملة وأنا بموت بالبطيء وأنتم بتتفرجوا على البارون وهو بيكبر!
مريم قربت منه خطوة: عشان مكنش معانا دليل يدينه هو شخصياً.. كان بيلبسها للمساعدين بتوعه. بس الفلاشة اللي مع تيا فيها تسجيلات صوتية وصور صفقات هو اللي مضاها بنفسه. سلمنا البنت والفلاشة، وإحنا هنخلص عليه بالقانون.
آسر بص لتيا اللي كانت بتبص له من ورا إزاز العربية، وبعدين بص لمريم: القانون بتاعكم بياخد سنين.. وأنا معنديش غير ساعات. البنت هتفضل معايا، والفلاشة مش هتطلع غير لما أشوف راس البارون تحت رجلي.
مريم عرفت إن آسر مش هيتراجع: تمام يا آسر. البارون دلوقتي هربان في فيلته اللي في المنصورية. الفيلا عبارة عن حصن، ومعاه أكتر من 30 حارس. لو دخلت لوحدك هتبقى انتحاري.
آسر ببرود مرعب: ما أنا أصلاً كنت ناوي انتحر يا سيادة العقيد.. بس المرة دي هاخد الوسخ ده في إيدي وأنا رايح.
مريم اتنهدت: هنديك غطاء جوي ومعلومات عن مداخل الفيلا، بس رسميًا.. إحنا ملناش علاقة بيك لو اتكشفت. موافق؟
آسر: موافق.. بس تيا تفضل معاكم، أمانة في رقبتك يا مريم. لو جرالي حاجة، وصليها لأهلها.. أو خلوها تفتكر إن كان فيه حد اسمه آسر حاول يكون بني آدم عشان خاطرها.
آسر راح للعربية، فتح الباب لتيا. البنت كانت بتبكي: هتروح فين يا عمو؟ مش قولت مش هتسيبني؟
آسر مسح على شعرها بحنية لأول مرة: تيا.. إنتي رجعتيلي روحي، والروح غالية أوي. لازم أروح عشان محدش يلاحقك تاني أبداً. روحي مع طنط مريم، دي تبع الناس الطيبين.. وهشوفك قريب.
آسر قفل باب عربية المخابرات على تيا، وركب عربيته. بص في المراية، شاف تيا بتخبط على الإزاز وهي بتصرخ باسمه.
داس بنزين وطار ناحية المنصورية.. ناحية المعركة الأخيرة.
آسر وصل لمنطقة الفيلات في المنصورية، الدنيا كانت ضلمة كحل، والهدوء اللي في المكان مريب، كأن الشجر نفسه مستني اللي هيحصل. ركن العربية بعيد، وسحب الشنطة من الكنبة اللي ورا. طلع منها قناع أسود خفيف، ولبس سماعة المخابرات اللي مريم إدتهاله.
صوت مريم جه في ودنه: آسر، إنت قدام الحصن. فيه 4 حراس على السور، وكاميرات حرارية في كل ركن. استنى التعزيزات.
آسر رد بصوت يشبه فحيح الأفاعي: التعزيزات دي للي خايف يموت يا مريم.. أنا النهاردة عريس، والبارون هو المعزوم الوحيد.
آسر اتسلل من ورا السور، بمهارة خلت الحراس مكيحسوش بوجوده. بـ كاتم صوت، خلص على أول اتنين في ثواني. رمى قنبلة تشويش خلت الكاميرات تعطل، وفي لحظة كان جوه الجنينة.
الرصاص بدأ يترشق في كل حتة أول ما الحراس كشفوه. آسر كان بيتحرك زي المجنون، مش فارق معاه الرصاص اللي بيعدي من جنبه. كان بيضرب نار وهو بيتقدم، كل خطوة بيخطيها كانت بتقربه من البارون. دخل من باب المطبخ، لقى قدامه اتنين من الحرس الشخصي، خلص عليهم بطلقتين في الرأس ببرود أعصاب مرعب.
طلع للدور التاني، الرخام كان بيتكسر تحت رجليه. وصل لمكتب البارون، الباب كان مصفح. آسر طلع عجينة متفجرة صغيرة، حطها على القفل وداس على الزناد.
بوم!
الباب اتخلع، وآسر دخل والمكان كله دخان. لقى البارون قاعد ورا مكتبه، ماسك كاس في إيده وبيضحك بوجع: أهلاً يا آسر.. كنت عارف إنك هتيجي. سارة كانت غبية زيك، كانت فاكرة إنها تقدر تهد الإمبراطورية دي بشوية ورق.
آسر مدهوش بقلم مايا خالد وقت يتكلم، ضرب رصاصة في كتف البارون خلت الكاس يقع من إيده: الورق ده هو اللي جابني لحد هنا.. والطفلة اللي كنت عايز تقتلها هي اللي فتحتلي باب الجحيم عشان أدخلك فيه.
البارون وهو بيتوجع: لو قتلتني مش هتعرف مين تاني كان شريك معايا.. فيه رؤوس أكبر مني بكتير.
آسر قرب منه، وحط فوهة المسد..س بين عينيه: أنا مش قاضي يا بارون.. أنا مجرد واحد خسر كل حاجة، ومستني اللحظة دي من سنة. سلملي على سارة.
طخ!
صمت رهيب حل في المكان. آسر نزل المسد..س، وبص للصورة اللي كانت في جيبه لسارة. دموعه نزلت لأول مرة، بس كانت دموع راحة. سحب جهاز اللاسلكي: مريم.. العزومة خلصت. استلمي الج*ثة، والباقي عندك في الفلاشة.
خرج آسر من الفيلا وهو بيعرج، وجسمه متبهدل جروح. برا، لقى عربيات المخابرات محاصرة المكان. مريم كانت واقفة، ومعاها تيا. أول ما تيا شافته، جريت عليه وارتمت في حضنه: عمو آسر! إنت كويس؟
آسر شالها بإيد واحدة وهو بيبتسم بتعب: أنا دلوقتي بس بقيت كويس يا تيا.. دلوقتي بس سارة عرفت تنام مرتاحة.
مريم قربت منه: هتروح فين دلوقتي؟ إنت لسه مطلوب للتحقيق.
آسر بص للسماء اللي بدأت تشقشق بنور الفجر: هروح أبدأ حياة جديدة.. بس المرة دي، هعيشها عشان تيا. الظاهر إن المشوار لسه طويل.
ركب آسر العربية، وتيا جنبه، وساقوا بعيد عن مكان الدم والوجع، ناحية طريق ملوش نهاية، بس لأول مرة.. كان طريق فيه نور.
بعد مرور سنة..
الدنيا كانت هادية في بيت صغير قدام البحر في مدينة بعيدة ومحدش يعرفها. ريحة اليود والملح مالي المكان، وصوت الموج كان هو الخلفية الوحيدة للحياة اللي بدأت من جديد.
آسر كان قاعد على كرسي خشب قدام الميه، ماسك في إيده كتاب، بس عينيه كانت على تيا وهي بتجري على الرمل وبتحاول تطير طيارة ورق ملونة. ملامحه اللي كانت عبارة عن خطوط وجع، بدأت تفك، والجرح اللي في كتفه ساب أثر، بس مبقاش يوجعه زي زمان.
تيا وقفت فجأة وبصت له وهي بتضحك: عمو آسر! بص الطيارة وصلت لحد فين!
آسر ابتسم، وكانت ابتسامة حقيقية طالعة من قلبه: شايفك يا تيا.. بس متبعديش أوي عن الشط.
قام وقف ومشى ناحيتها ببطء. طلع من جيبه قلادة سارة القديمة، بس المرة دي مكنتش شايلة فلاشة ولا أسرار سودة، كانت شايلة صورتين.. صورة لسارة وهي بتضحك، وصورة صغيرة لتيا وهي بتكرمش مناخيرها في أول يوم وصلوا فيه هنا.
قعد جنبه مريم اللي بقت بتزورهم كل فترة بصفتها الصديقة الوحيدة اللي فضلت ليهم، وبصت له وقالت: التقارير كلها اتقفلت يا آسر. البارون والشبكة بتاعته انتهوا تماماً، وتيا دلوقتي قانونياً بقت بنتك.. العالم نسي إنك كنت قناص في يوم من الأيام.
آسر بص لتيا وهي بتضحك وسرح: أنا كمان نسيت يا مريم.. نسيت كل حاجة إلا حاجة واحدة، إن الروح اللي كانت عايزة تروح، ربنا رجعها عشان تحمي روح تانية كانت لسه بتبدأ.
مريم قامت تمشي، وآسر فضل واقف مع تيا. الشمس بدأت تغرب وتصب لونها الدهبي على البحر. تيا مسكت إيد آسر وقالتله: إنت لسه بتفكر في طنط سارة؟
آسر وطى وباس راسها: بفكر فيها كل يوم.. بس هي دلوقتي مش زعلانة، هي فرحانة إننا سوا.
شالها على كتافه وبدأ يمشي بيهم ناحية البيت. في اللحظة دي، آسر مكنش الرجل اللي عايز ينهي حياته، كان الأب اللي لقى عمره من جديد في عيون طفلة كانت في يوم من الأيام هي المنقذ الحقيقي لروحه، مش العكس.
الدخان اللي كان مالي حياته اختفى، والضلمة بقت مجرد ذكرى، والوجع بقى حكاية بيحكيها للبحر كل ليلة عشان يغسلها.
النهاية.





