عابث في الظلام 🖤⛓️كاملة بقلم شروق مصطفى
بقلم شروق مصطفى حصري

لا.. مش هروح أي مكان تاني.. هروح لمنى، هي هتفرح أوي لما تشوفنا رجعنا سالمين.. وديني عندها.
نطرت ملامح قاسم ببعض التفهم والاطمئنان، وهز رأسه بابتسامة خفيفة وحانية ليخفف عنها روع ما مرت به:
زي ما تحبي يا نور.. اللي تؤمر بيه.
منى زمانها ميتة من الخوف عليكي، يلا بينا.
تحركوا معاً بخطوات ثابتة نحو الخارج، تاركين خلفهم جدران الفيلا المظلمة التي شهدت أرعب ساعات حياتهم، لتبدأ رحلة النجاة واللقاء بمن ينتظرهم بقلب مخلوع على أحر من الجمر.
انطلقت السيارة السوداء الفارهة بهدوء في شوارع المدينة، مبتعدة عن ذلك الجحيم الذي تركوه خلفهم.
كانت نور جالسة في المقعد الخلفي، تحتضن ابنتها النائمة بكل ما تبقى لها من قوة، وعيناها تتابعان عبر زجاج النافذة أضواء الشارع وهي تتسابق هاربة شعرت ببطء أن ثقل الكابوس بدأ يزاح عن صدرها، وأن أنفاسها بدأت تعود تدريجياً.
أما قاسم، فكان جالساً في المقدمة بجوار السائق، يراقب الطريق بعينين حادتين لا تخلو أفكارهما من التيقظ رغم انتهاء المعركة، لكن ملامحه الصارمة لانت قليلا حين التفت برأسه إلى الوراء ليطمئن عليها بنظرة هادئة.
وبعد فترة ليست طويلة، انحرفت السيارة ببطء لتتوقف أمام مبنى هادئ ومألوف.
ترجلت نور بخطوات مرتعشة، تحمل ابنتها النائمة بحذر، وتقدمت نحو باب الشقة لتطرق بخفقات قلب متسارعة.
لم تكاد تمضي ثوانٍ حتى انفتح الباب، وظهرت منى بوجه متجهم وملامح يكسوها القلق الشديد وهي تفتح الباب على مصراعيه، هاتفة بعتاب ونبرة حادة خلطها الخوف:
نور كنتي فين؟! قلقتيني عليكي! اتصلت بكي كتير ومكنتيش بتردي خالص، كنت خلاص هبلغ…
لم تستطع منى إكمال جملتها؛ فما إن سقطت عيناها على نور المنهكة، وعلى الطفلة الصغيرة النائمة بسلام بين ذراعيها، حتى جحظت عيناها من شدة الصدمة والمفاجأة. كانت منى تظن أن غياب نور واختفاءها المفاجئ مجرد انشغال عادي، ولم تكن تعرف شيئاً عن كابوس الخطف ولا عن الطفلة بنت شقيقها.
انعقد لسان منى للحظة، ثم انهار كليا تحت وطأة المفاجأة والفزع، لتنطلق صارخة بدموع الفرح الممزوجة بالانهيار، وتندفع نحوها راكضة:
أنتي ساكته ليه..! مين دي؟! إنتي كنتي فين.. وايه اللي حصل؟!
أسرعت منى بجذب صديقتها إلى داخل الشقة بلهفة وفزع، وأغلقت الباب خلفهما بسرعة، ثم جلست أمامها تطالعها بعيون زائغة وقلب يخفق بعنف وهي تشير للطفلة.
لم تتمالك نور نفسها أكثر من ذلك، فأخذت تروي لها كل شيء؛ أخبرتها عن تلك الرسائل المبهمة والغامضة التي كانت تتلقاها دون سابق إنذار، وكيف سحبتها خطوة بخطوة إلى هذا الكابوس المظلم، وصولاً إلى ظهور الطفلة والأحداث المرعبة التي واجهتها مع ظافر وجنونه، وانتهاء بلحظة النجاة الكبرى وظهور قاسم المفاجئ وهو يقف على قدميه ليحطم ذلك الجحيم.
ومع كل تفصيلة مروعة سردتها نور عن تلك رسايل وأهوالها، كانت منى تضع يديها على فمها بصدمة بالغة، وتتسع عيناها بذهول تكاد لا تصدقه، حتى انهارا كليا تحت وطأة المفاجأة، ودخلت الاثنتان في نوبة بكاء حار وموجع، وهما تضمّان بعضهما البعض بامتنان جارح لأن الله نجّاهما من حافة الموت المحقق.

