روز بقلم نور محمد

في تلك الليلة، بعدما نام ياسين، بقي طارق في المطبخ وقال لروز:
— شكرًا لكِ.
ابتسمت وقالت:
— على أسوأ خبز في المزرعة؟
— بل لأنكِ سألتِهِ كيف كانت أمه تطبخ.
توقفت روز عن تجفيف الإناء وقالت بهدوء:
— أمينة كانت موجودة بالفعل، وياسين ليس بحاجة إلى نسيانها لكي يتقبلني.
خفض طارق رأسه وقال:
— وأنا أيضًا لا أريد نسيانها.
— لا تفعل إذاً… **فالقلب ليس غرفة تخرج منها كل الأثاث لكي تستقبل شيئًا جديدًا.**
نظر إليها طارق لبرهة طويلة. وفي الأيام التالية، بدأ يبتكر الأسباب ليدخل المطبخ؛ يحمل الحطب، يفحص النوافذ، أو يأتي بمكونات يتذكر أنه رأى روز تتفحصها في السوق. نمت المودة بينهما دون أن يجترئ أحدهما على تسميتها.
لكن حلول الخريف جاء بجمالٍ يتخلله سرٌ قديم.
أثناء تنظيم القبو، حكى أبو خالد لروز أن ثلاثة عمال لقوا حتفهم قبل شتاءين؛ فقد نفدت المؤن من المزرعة وأرسلهم طارق إلى المدينة قبل هبوب عاصفة ثلجية، ولم يعودوا أبداً.
في تلك الليلة، وجدت روز زوجها يجلس بمفرده في الممر الداخلي، فقالت له:
— أنت تبني هذا المخزن الكبير من أجلهم، أليس كذلك؟
أجابها طارق بصوت خفيض:
— أبنيه حتى لا يتكرر ذلك… أنا من أرسلهم.
— هل أجبرتهم؟
— هم تطوعوا، لكن كان عليّ أن أوقفهم. كنت أعلم أن الريح تتغير… أحدهم كان لديه طفلة، والآخر كان يجمع المال ليشتري أرضًا، والأصغر كان في التاسعة عشرة من عمره.
ردت روز بحزم هادئ:
— لا يمكنك إعادة الحياة إليهم، لكن يمكنك منع أبنٍ أو أبٍ آخر من الخروج في وسط عاصفة لأن أطفاله لا يجدون ما يأكلونه.
رفع طارق رأسه؛ لم تكن روز تقدم له غفرانًا مجانيًا، بل كانت تحمله مسؤولية نَبيلة، وكان ذلك بالضبط ما سمح لروحه أن تتنفس مجددًا.
وفي أواخر شهر نوفمبر، وصلت عربة سوداء إلى المزرعة.
نزل منها رجل يُدعى **لبيب**، الشقيق الأكبر للمرحومة أمينة، ورافقه كاتب عدل وأربعة رجال مسلحين. اختبأ ياسين خلف روز بمجرد أن رآه.
تقدم لبيب وقال بصلابة:
— جئت لآخذ ابن اختي… وأستولي على هذه الأرض.
تقدم طارق نحو خطوات وقال:
— لا حق لك في أي منهما.
أخرج لبيب وثيقة مختومة وادعى أن أمينة وقعت قبل وفاتها اتفاقًا ينقل حضانة ياسين إليه إذا عرّض طارق أملاك العائلة للخطر، مشيرًا إلى دينٍ قديم قدره اثنا عشر ألف جنيه موثق برهن المزرعة.





