روز بقلم نور محمد

في الرابعة فجرًا من اليوم التالي، كانت قد سبقت الجميع إلى مطبخ العمال.
كان العم أنور، طاهي المزرعة، يقلب قدر الفول بينما يبقي ذراعه اليمنى ملاصقة لجسده.
قالت له بهدوء:
— كتفك يؤلمك، أليس كذلك؟
أجاب مبتسمًا بمرارة:
— بلغت الثامنة والخمسين… وفي هذا العمر كل شيء يؤلم.
قالت وهي تشير إلى رف مرتفع:
— أكياس الدقيق موضوعة هناك. وكلما رفعتها، يلتف كتفك بطريقة تؤذيك أكثر.
قطب الرجل حاجبيه.
— هذا مطبخي.
ابتسمت.
— ولذلك لن أغيّر شيئًا دون إذنك. لكن لو نقلنا الدقيق إلى رف أقرب، ستتمكن من العمل دون أن تزيد إصابتك.
ظل ينظر إليها لحظات.
ثم سأل:
— وهل تعرفين الطبخ لخمسة وعشرين رجلًا؟
ضحكت وقالت:
— أمضيت اثنتي عشرة سنة أطبخ لزبائن يدخلون جائعين ومستعجلين وغاضبين… ولا أظن أن عمال المزرعة أصعب منهم.
أطلق العم أنور ضحكة خافتة.
وفي ذلك الصباح، أعدّت روز خبزًا طازجًا بالقشطة.
وما إن دخل العمال حتى ملأ عبيره المكان.
تناول سالم قطعة وهو يستعد للسخرية، لكنه ما إن أخذ أول لقمة حتى صمت.
ثم أخذ الجميع يتذوقون.
ولعدة دقائق، لم يُسمع سوى صوت تكسر قشرة الخبز.
سأل أبو خالد:
— من الذي صنع هذا؟
أجاب العم أنور بفخر:
— زوجة الحاج.
تناول أبو خالد قطعة ثانية وقال:
— والله… هذا ألذ من خبز المدينة.
تظاهرت روز بالانشغال بإعداد الشاي، لكنها لم تستطع إخفاء ابتسامتها.
وعندما عادت إلى البيت الكبير، وجدت ياسين يقف بجوار خزان الماء.
سألها دون أن ينظر إليها:
— صحيح أنك تعرفين صنع الخبز؟
ابتسمت.
— هذا ما يقوله الرجال الذين أكل كل واحد منهم ثلاث قطع.
قال الصبي بصوت خافت:
— أمي كانت تصنع الخبز أيضًا.
توقفت روز.
ثم سألته بلطف:
— وكيف كان يخرج معها؟
رفع رأسه إليها بدهشة.
لم يكن أحد يسأله عن أمه.
كان الجميع يقولون له إن عليه أن يكون قويًا، أو أن ينسى الماضي، أو أن يدعها ترقد بسلام.
أما هذه المرأة…
فقد سألته عنها ببساطة.
قال:
— أحيانًا كان يحترق من الأسفل.





