مفاتيح الشاليه بقلم محمد نور

أما رخام المطبخ فكان غارقاً تحت زجاجات العصير، والأكواب الورقية، وأكياس البطاطس، وبقايا الطعام المتناثرة. الصالة ملطخة بالقاذورات، والشرفة ممتلئة بالعلب الفارغة وأغلفة السكاكر، حتى السقف لم يسلم من رذاذ العصير المتطاير!
ملاذ أمي الهادئ والجميل تحوّل في لحظات إلى بيت صاخب ومستباح!
سرقت “رِمَال” مفاتيحي، وتجاهلت رفضي، ودهست بكل وقاحة على المكان الوحيد الذي ما زال يربطني بأمي.
انسحبتُ إلى الخارج بهدوء قبل أن يلاحظني أحد.
جلست خلف عجلة القيادة، وفكرت في الاتصال بزوجي…
ثم فكرت في الاتصال بالشرطة…
لكن فكرة أخرى خاطفة مرت ببالي —فكرة كانت أكثر إرضاءً لغليلي بكتير!
أمسكتُ بعجلة القيادة وابتدأت ابتسامة تتشكل على شفتي.
قلت لنفسي: *”لقد تحملتُ بما فيه الكفاية… والآن جاء دوري!”*
وكنت أعرف تماماً كيف سأعطي “رِمَال” درساً لن تنساه ما حَيِيَت…»
خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
: البيت الذي تركته أمي
لم أكن قد استوعبت البشاعة كاملة حتى تيقنت من الحقيقة. في تلك اللحظة، لم أتصل بالشرطة؛ بل عدت بهدوء إلى سيارتي، وقادتني خطاي إلى المنزل، وجلست أنتظر زوجي ليكشف لي بنفسه عن عمق الخيانة التي ارتكبها بحقي.
اسمي “سهام”، في السابعة والثلاثين من عمري، متزوجة من “دانيال” ولدينا طفلان. كان الشاليه هو الشيء الأخير والمتبقي لي من أثر أمي بعد أن اختطفها السرطان قبل عامين.
لم يكن شاليهًا ضخمًا ولا باهظ الثمن، لكن كل زاوية فيه كانت تحمل بصمات يديها؛ هي من غرست أزهار الحديقة، واختارت الستائر، وكنست ممر الحصى بنفسها في كل صيف. وكنت أتردد عليه كل عطلة تقريبًا.
مؤخرًا، بدأ دانيال يتحدث بكثرة عن المال ورغبته في إطلاق مشروعه الخاص، لكن ديون الرهن العقاري كانت تثقل كاهلنا ولا تسمح بالمغامرة. وفي إحدى الليالي، قال بأسلوب عابر:
«لدينا أصول وممتلكات متروكة بلا فائدة.»
رددت عليه بحزم:
«الشاليه ليس متروكًا، أنا أتردد عليه باستمرار.»
اقترح بيعه لتمويل مشروعه، لكنني رفضت النقاش في الأمر تمامًا.
بعدها بأيام، حضرت أخته “رِمَال” دون استئذان —وكعادتها في التصرف وكأن بيتنا ملكٌ لها— وقالت بكل ثقة:
«عيد ميلادي قادم، وأريد استخدام الشاليه لأقيم فيه حفلتي.»
قلت لها فورًا:
«لا.»





