السجينه١

لأنهم شافوا بعينهم إنها مش مستحيلة.
الضابط بص لفريدة بغضب وقال:
ـ على التأديب… حالًا.
صرخت فريدة:
ـ دي كذابة!
لكن محدش صدقها.
اتاخدت وهي بتبص للبنت الجديدة بنظرة كلها كراهية.
أما البنت…
رجعت قعدت على الكرسي.
رفعت صينية الغدا من على الأرض، ومسحتها بالمنديل، وكملت أكلها كأن اللي حصل كله ما كانش يعنيها.
وده كان أكتر منظر خوّف السجينات.
لأن اللي يقدر يهزم فريدة…
ويرجع يكمل أكله بمنتهى البرود…
أكيد مخبي وراه حكاية أخطر بكتير من اللي أي حد يتخيله.
الصمت اتفرض على العنبر زي السحاب الأسود، حتى صوت حركة المعالق والصواني اختفى تمامًا. كل العيون كانت متسمرة على الوافدة الجديدة وهي بتمسح حافة الترابيزة بمنديل ورقي بتاخده من جيبها ببرود يجنن، وكأن مفيش أي حاجة حصلت من دقائق. الست العجوزة اللي شهدت لصالحها قربت بخطوات مرعوبة، عينها بتتنقل بين الباب الحديد اللي اتقفل ورا فريدة وبين وش البنت الهادي.
قعدت الست على طرف الكرسي وقالت بصوت واطي ومبحوح:
ـ يا بنتي.. إنتي مش عارفة إنتي عملتي إيه.. فريدة دي مش مجرد سجينة، دي ليها ناس بره وجوه، والتأديب مش هيوقفها، لما تخرج مش هترحمك وهتخلي العنبر ده جهنم عليكي.
البنت ما رفعتش عينها من الصينية، وسألتها بصوت واضح وماتطلعش منه نبرة خوف واحدة:
ـ وهي الست دي كانت عاملكوا إيه عشان تصبروا على قرفها كل ده؟
الست بلعت ريقها وبصت حواليها كأنها خايفة الجدران تسمعها:
ـ الخوف يا بنتي.. الخوف بيعمل أكتر من كده.. بس حركة إيدك دي مش حركة حد عادي، ولا ضرب شوارع، إنتي مين وجاية هنا ليه؟
قبل ما البنت تجاوب، قربوا تلات سجينات من أتباع فريدة، وشوشهم مشحونة بالغل والتهديد. أطول واحدة فيهم وقفت فوق راس البنت وزقت طرف الترابيزة برجليها وقالت بفرعنة:
ـ فاكرة نفسك بطلة يا جديدة؟ فريدة خارجة بكرة ولا بعده من التأديب، واليوم اللي هتخرج فيه هيكون آخر يوم تمشي فيه على رجليكي في العنبر ده.. وهنتفرج كلنا عليكي.
البنت حطت المعلقة على الصينية ببطء شديد، وقامت وقفت. طولها وثباتها خلى البنات التلاتة يرجعوا خطوة لورا من غير ما يحسوا. بصت للي بتتكلم بعيون حادة زي السكينة وقالت بنبرة خلت العنبر كله يتجمد:
ـ لما تخرج بكرة.. قولي لها تستغل وقت التأديب وتفكر كويس في اللي حصل.. عشان المرة الجاية مش هكتفي بإنها تقع على ركبتها، قولي لها البنت الجديدة بتقولك السجن ده فيه كبار، وإنتي أصغر من إنك تقفي قدامي.
البنات التلاتة اتلخبطوا، وبصوا لبعض بذهول ورعب مكتوم، وانسحبوا من غير ما ينطقوا كلمة واحدة.
الليل نزل على السجن، وصوت المجرى الحديدي وهو بيتأفل بره العنبر دوّى في المكان كأنه إنذار. الأضواء الخافتة اتفتحت، وكل واحدة راحت لسريرها، بس محدش كان جاله نوم. العيون كلها كانت بتبص في الضلمة على السرير الميري اللي في آخر الصالة.
البنت كانت قاعدة، ضهرها مفرود ومسنود على الحيطة الساقعة، ماسكة في إيدها ميدالية نحاس صغيرة ومتآكلة، بتبص فيها بسرحان عميق.
وفجأة.. صوت رجلين بتتسحب ببطء ناحية سريرها.
واحدة من السجينات كانت ماشية في الضلمة، ومخبية في إيدها حتة حديدة مسنونة ومبرودة من السراير القديمة، وعينها مليانة غدر، محاولة تتسلل عشان تخلص حساب فريدة وهي نايمة.
لكن البنت ما كانتش نايمة، ولا حتى مجمضة عين واحدة.
أول ما السجينة قربت ومدت إيدها بالحديدة، البنت اتحركت بسرعة الفهد. مسكت معصمها بكتفها وجمعت مفصل إيدها بلمسة واحدة خلت الحديدة تقع على الأرض بتصقيع خفيف، وفي نفس اللحظة ضغطت بإيدها التانية على عصب محدد في رقبة السجينة، فجسم الست كله شلّ ومقدرتش حتى تصرخ!
البنت ملت عليها، وهمست في ودنها بصوت واطي وبارد زي التلج:
ـ إنتوا فاكرين السجن ده المكان اللي اترعش منه؟.. أنا اللي دخلت المكان ده برجلي وعن قصد.. وفريدة بتاعتكم دي كانت مجرد عقبة صغيرة عشان أفتح العين.. قولي للي باعتينك، صاحب الدين الكبير جوه السجن ده، إن حسابه قرب.
السجينة عينيها وسعت من الرعب، وكانت بتترعش تحت إيد البنت ومش قادرة تنفس. البنت سابتها، وراحت الست زحفت على الأرض وربتت بضهرها لورا وهربت على سريرها وهي مش مصدقة اللي حصل.
البنت قعدت تاني على سريرها، رجعت مسكت الميدالية النحاس، وبصت للباب الحديد بابتسامة خفيفة وغموض مرعب. في اللحظة دي، الكل في العنبر أدرك إن البنت دي مش مجرد مظلومة ولا سجينة عادية دافعت عن أكلها.. دي شخص متدرب على أعلى مستوى، وجاية السجن في مهمة انتقام خطيرة، والكل هنا مجرد حجار شطرنج في لعبتها.
صوت صفارة التفتيش بتاعة الصبح كانت زي صرخة حادة قطعت الهدوء التقيل اللي كان مخيم على العنبر. البنات قاموا بسرعة، يرصوا السراير ويرتبوا البطاطين، بس العينين كلها كانت بتتسحب في الضلمة وتراقب “نور” — البنت الجديدة اللي الكل عرف اسمها لأول مرة وهي بتتردد على لسان العسكري في طابور التمام.
الجميع كان بيتحاشى يلمس طيفها. السجينات بقوا يوسعوا لها الطريق مش بس احترام، ده رعب صافي من الثبات والقدرة الرهيبة اللي شافوها بعيونهم.
في حوش السجن، وقت الفسحة.. الشمس كانت حامية، والتكتلات المعتادة مقسومة كل فرقة في زاوية. وفي نص الحوش، قاعدة ست خمسينية تقيلة، لابسة نضارة شمسية رخيصة على دكة خشب وحواليها أربعة من أعتى سجينات العنبر. “المعلمة رسمية”.. الست اللي حتى حراس السجن بيعملوا لها ألف حساب، وهي المحرك الحقيقي لكل حاجة بتدخل وتخرج جوه الأسوار.
واحدة من البنات اللي انضربوا بالليل قربت من رسمية وهمست في ودنها بكلام خفيض.
المعلمة رسمية نزلت النضارة ببطء، وبصت لنور اللي كانت واقفة عند السلك الشائك في آخر الحوش بتتفرج على السماء ببرود. رسمية شاورت لإيد من أتباعها وقالت بصوت جاف:
ـ هاتوها.
البنتين قربوا من نور، بس المرة دي بطريقة مختلفة خالص.. عيونهم كانت مليانة حذر وخوف مكتوم.
وقفت واحدة فيهم وقالت بصوت مهزوز:
ـ المعلمة رسمية عاوزاكي في كلمتين يا جديدة.
نور مالت راسها، وابتسمت ابتسامة خفيفة، ومشت معاهم برضاها كأنها هي اللي كانت مستنية العزومة دي بالذات.
وقفت قدام المعلمة رسمية. رسمية بصت لها فوق وتحت، وخدت نفس طويل من سيجارتها وقالت بنبرة فيها فحيح:
ـ إنتي بقى البنت اللي كسرت كلمة فريدة وقلبت العنبر في أول يوم؟
نور وقفت، حاطة إيدها ورا ضهرها وثابتة زي الجبل:
ـ فريدة كانت فاكرة إن الصوت العالي بيعمل هيبة.. إنتي أكيد أعقل منها وعارفة إن الهيبة مش صينية غدا ولا ضرب بلطجة.
رسمية ضحكت ضحكة مكتومة وبشعة، والضحكة اختفت فجأة وظهر بدالها نظرة شر صريحة:
ـ أنا مش بس أعقل من فريدة.. أنا اللي ممشية السجن ده بكلمة مني. والحديد ده تحتي مش تحت المأمور. اللي يتحداني هنا مابيشوفش الشمس تاني.. الحركة اللي عملتيها بالليل مع البت بتاعتي بتقول إنك مش سجينة عادية، ولا إنتي ممسوكة في قضية سرقة غسيل زي ما ملفك المزور مكتوب فيه.. إنتي جاية تدوري على إيه يا بت؟
نور قربت خطوة واحدة بس. الخطوة دي خلت الحراس البوديجاردات بتوع رسمية يتحركوا تلقائيًا عشان يمنعوها، بس رسمية رفعت إيدها بسرعة ووقفتهم، عينها متثبتة في عين نور.
نور نضّت نبرة صوتها وخليتها واطية بحدة بحيث مفيش أي مخلوق جوه الحوش يلمس كلمة واحدة غير رسمية:
ـ مش جاية أدور على حاجة.. أنا جاية آخد. جاية آخد تمن دم أبويا الضابط اللي اتقتل من خمس سنين في كمين الصحراوي، بسبب قضية تهريب السلاح اللي إنتي خرجتي منها زي الشعرة من العجين ولبستيها لنظرك الميت.
رجالة رسمية ماتحركوش لأنهم مش فاهمين حاجة، بس وش رسمية اتمسح منه كل معالم السيطرة والغرور في ثانية واحدة. الدم اتشفط من وشها، ونظرتها اتغيرت لرعب حقيقي لأول مرة من سنين طويلة.
نور كملت وهي بتميل على ودنها وبتبتسم ابتسامة مرعبة:
ـ فريدة كانت مجرد الباب اللي يوصلني ليكي من غير ما تفتحي عينك.. ودلوقتي، اللعبة بيني وبينك بدأت يا معلمة.. وصاحب الحق مابينامش.
رسمية فضلت متسمرة في مكانها، النفس محبوس في صدرها والعرق بدأ يظهر على جبينها رغم برودة الجو. نظرة السيطرة اللي كانت بتمشي بيها في السجن اتهزت لأول مرة. بلعت ريقها بصعوبة وقالت بصوت مشحون بالغل والغدر:
ـ إنتي فاكرة إنك لما تقولي الكلمتين دول هتخوفيني؟ إنتي دخلتي جحر الأفعى برجليكي يا بت.. واللي مات من خمس سنين غرقان في دمه، هتتحصلي عليه هنا وجوه نفس السور.
نور ما رمشتش، قربت خطوة كمان وشوشتها بصوت أهدى من الهوا بس أتقل من الجبل:
ـ أنا ما جيتش عشان أخوفك يا رسمية.. أنا جيت عشان آخد الملف الأصلي اللي مخبياه في السجن من زمان، الملف اللي فيه أسماء الشركاء بتوعك بره وجوه، اللي صفوا أبويا عشان كان قرب يوصلكم.
عينين رسمية وسعت أكتر، والشرارة اللي في عينها تحولت لرعب حقيقي.. عرفت إن البنت اللي واقفة قدامها دي مش مجرد واحدة جاية تتخانق، ده مخطط متقفل صح ومحسوب بالثانية، وأن نور دخلت السجن بخطة متخرهاش المية.
في نفس اليوم بالليل، باب التأديب اتفتح، وفريدة خرجت. وشها كان متبهدل، وعيونها زي شرار النار بتدور على الدم. دخلت العنبر بخطوات سريعة وزئير مكتوم، وعينها راحت على طول على سرير نور اللي كانت قاعد بتعد الدقائق بهدوء.
رسمية كانت قاعدة في ركن العنبر، شاورت لفريدة بإيدها قاطعة:
ـ تعالي هنا يا فريدة.. سيبيكي منها دلوقتي.
فريدة راحت لها وهي بتجز على سنانها ورجليها بتخبط في الأرض:
ـ أوريكي فيها يوم يا معلمة! البت دي هزأتني قدام السجن كله! لازم أخلص عليها الليلة!
رسمية وقفت وضربت الترابيزة بإيدها، وقالت بصوت واطي يطفح غضب:
ـ البت دي مش جاية تتخانق على صينية غدا يا عبيطة! البت دي جاية تهد المعبد على دماغنا كلنا.. لو لمستيها دلوقتي هتودينا في داهية.. اقعدي واسمعي اللي بقولك عليه!
لكن فريدة كان الغضب مالي عينها وعمى تفكيرها، الإهانة كانت أكبر من إنها تستملها. وفي النص الثاني من الليل، لما الأنوار الرئيسية اتطفت والعنبر غرق في الظلمة والصمت، فريدة اتسحبت ببطء شديد، وفي إيدها موس حلاقة متثبت في خشبة صغيرة.. حركة غدر معروفة في السجن مابتقومش منها الضحية.
وقفت فوق سرير نور، رفعت إيدها وفجأة نزلت بكل قوتها!
بس الضرب جيه في البطانية الفاضية!
قبل ما فريدة تستوعب اللي بيحصل، نور كانت واقفة وراها في الضلمة زي الطيف، مسكت دراعها ولفت إيدها ورا ضهرها بحركة سريعة ومتقنة خلت الموس يقع على الأرض، وفي نفس اللحظة نور ثبتت حافة حديدة رفيعة ومسنونة على رقبة فريدة!
فريدة اتجمدت مكانها، والنفس اتقطع من صدرها.
نور همست في ودنها بصوت دافي وبارد في نفس الوقت:
ـ رسمية ما حذرتكيش مني؟.. أنا مش جاية عشانك يا فريدة، بس لو دخلتي نفسك في السكة تاني.. المرة الجاية الحركة دي مش هتخلص على خير.
فريدة بلعت ريقها ورجليها كانت بتترعش من الخوف. لأول مرة “أخطر سجينة” تحس برعب حقيقي ومبقاش عندها أي قدرة على المواجهة. نور زقتها لورا ببرود، وفريدة رجعت لسريرها وهي بتنهد ومكسورة تمامًا.
وفي اللحظة دي بالذات.. الأنوار الكبيرة بتاعت العنبر اتفتحت فجأة بضربة واحدة، وصوت باب الحديد وهو بيتفتح بعنف دوّى في المكان كله.
دخل رئيس مباحث السجن بنفسه، ومعه قوة كبيرة من العساكر والمفتشين، وبص على العنبر كله بنظرة حادة وقال بصوت جهوري هز الجدران:
ـ ولا واحدة تتحرك من مكانها! فتّشوا العنبر كله شبر شبر.. وابدأوا بسرير المعلمة رسمية!





