عقد عرفي
فتحت الدولاب بإيدين ثابتة لأول مرة، مكنتش بتنفض ولا خايفة، قلبت في الهدوم القديمة لحد ما لقيت الشنطة الصغيرة اللي كنت جايباها معايا من بيت أبويا يوم ما دخلت السجن ده. مكنش فيها غير جلابيتين دبلانين، بس كان فيها أهم حاجة.. صورة قديمة لأمي الله يرحمها، الست الوحيدة اللي كانت بتطبطب عليا قبل ما تموت وتسيبني لراجل مبيعرفش غير لغة القسوة.
سمعت صوت زغاريط طالعة من تحت، وصوت حماتي بتجلجل في مدخل البيت وهي بتنادي على الجيران وتوزع شربات بمناسبة خطوبة “سيد الرجالة” اللي رايح يخطب بنت عمه صاحبة النسب والمال. نزلت على السلم خطوة خطوة بهدوء مريب، مكنش باين على وشي نقطة دموع واحدة، عيني كانت زي الجمر.
أول ما رجلي لمست أرض الصالة، قطعت حماتي الزغروطة وبصتلي من فوق لتحت بقرف، وسلايفي واقفين وراها لابسين ومتمكيجين، وواحدة فيهم شايلة صواني الشربات والضحكة شاقة وشها شمتانة. حماتي حطت إيدها في وسطها وقالت بنبرة تقطر سم: “أهو البيه نزل وفهمك مقامك.. جهزي نفسك يا بت، بعد ما نمشي تنضفي البيت من فوق لتحت، وتجهزي العشا للمعازيم اللي جايين يباركوا بالليل، وإياكِ أشوف وشك طالع برة المطبخ، مش ناقصين عرة قدام الناس.”
سكت ثانية، والكل كان متوقع إني هعيط أو أنزل على رجلها أبوسها زي ما جوزي كان فاكر. بس اللي عملته خلا الصالة كلها تسكت كأن طير خطف أرواحهم.
بصيت في عين حماتي مباشرة، بنظرة حادة خلتها ترجع نص خطوة لورا من غير ما تحس، وقولت بصوت واطي بس رنان سمعه كل اللي واقفين: “العشا اللي بتقولي عليه ده تعملوه بإيديكم، والبيت ده مش هحط فيه قشة تانية.. تلت سنين شيلت وساختكم وخدمتكم بلقمتي وكرامتي، والنهاردة خلاص، الحساب اتقفل.”
جوزي اتنطر من مكانه وجري عليا، وشه مخطوف من المفاجأة وقال وهو بيزعق عشان يداري خيبته قدام أمه: “انتي اتجننتي يا بت؟! انتي نسيتي نفسك؟! غوري على فوق بدل ما أمد إيدي عليكي قدام الكل!”
قربت منه خطوة واحدة، ومرفعتش عيني عن عينه وقولتله ببرود يقهر: “تمد إيدك على مين؟ انت مصدق إنك راجل بجد؟ الراجل اللي يبيع مراته ويستقوى عليها وسط حريمه ميتسماش راجل.. انتوا فاكرين إنكم كسرتوني بالورقة العرفي؟ الورقة دي تثبت إني كنت مغفلة، بس تثبت قدام ربنا والناس كلها إنكم نصابين.. وأنا خارجة من هنا ومش راجعة، وأعلى ما في خيلكم اركبوه.”



