عقد عرفي

وقفت متنحة، الدنيا لفت بيا والدموع اتجمدت في عيني وقولتله بصوت بيترعش: “تخطب؟! طب وجوازنا؟ والمأذون اللي مستنياه بقالي تلت سنين عشان نسجل ورقتنا؟!”

رد عليا بضحكة سخرية ومفرقش معاه كسرتي: “تسجيل إيه ومأذون إيه يا أم مأذون؟! إنتي صدقتي نفسك ولا إيه؟ أحمدي ربنا إني مخليكي على ذمتي ومأكلك وشاربك.. عاجبك تنزلي تخدمي أمي وتسمعي الكلام كان بها، مش عاجبك الباب يفوّت جمل وروحي لأبوكِ، والورقة العرفي دي أبلها وأشرب ميتها في أي وقت.”

الكلام نزل عليا زي مية مغلية كوت جسمي كله، وقفت مكاني مش حاسة برجلي اللي شيلاني، وبصيت في وشه بذهول وأنا شايفة راجل تاني خالص غير اللي كنت بداري خيبته وضعفه، طالع بكل جبروت وجاي يستقوى عليا أنا بعد ما كان قطة مغمضة وسط أهله.

ساعتها شريط تلت سنين عدى قدام عيني في ثانية واحدة؛ الغسيل اللي كان بيشقق إيدي في عز البرد، الصحيان من الفجر، الشتيمة والتهزيء من حماتي على أتفه سبب، ونظرات الشماتة في عين سلايفي وهما شايفينني بنضف تحت رجليهم. كل ده كنت بستحمله وأبلع الإهانة بحرقتها عشان اللحظة دي، عشان اليوم اللي افتكرت إنه هيديني فيه كرامتي ويحسسني إني بني آدمة مش جارية اشتروها.

نزلت دموعي غصب عني، بس المرة دي مكنتش دموع ضعف وخوف، دي كانت دموع القهر اللي بيحرق في الصدر. قولتله بصوت مخنوق وبيقطع: “بقا أنا اللي ضيعت سنين عمري من وأنا طفلة بخدمكم ليل ونهار، عشان في الآخر تقول كدة؟!”

لقيته اتعصب وشه احمر ورفع إيده وزعق في وشي: “صوتك ميعلاش هنا يا بت، انتي ناسية انتي مين ولا إيه؟ الكلمتين دول لو سمعتهم أمي هترمي هدومك في الشارع دلوقتي وهتخرجي بفضيحة، ومش هتلاقي كلب يعبرك ولا بيت يلمك، روحي اسألي أبوكِ!”

سابني ورزع الباب وراه وخرج، وأنا اترمت على الأرض، ضامة ركبي لصدري وحاسة إن الحيطان بتضيق عليا وبتخنقني. كانت الدنيا بتلف بيا وصوت الضحك والأغاني تحت في الشارع بيستعدوا عشان يروحوا يخطبوله، وريحة البخور اللي حماتي مشغلاها طالعة لحد عندي.

في اللحظة دي، ولأول مرة من تلت سنين، الخوف اللي كان مكتفني اتبخر، وحل مكانه غل وقوة معرفش جتلي منين. مسحت دموعي بإيدي اللي خشنة من التعب، وقومت وقفت على حيلي، وبصيت لنفسي في المراية المكسورة اللي في الأوضة، وقولت لنفسي: “لو فاكرين إن الورقة دي هتدفنوني بيها، فأنا اللي هحرق البيت ده باللي فيه قبل ما أعيش مكسورة تاني.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *