طعم ف يدا اليفه السابع
تأملت ملامحه طويلًا… وسامته التي لم تتغير، بل ازدادت نضجًا وجاذبية، ذقنه الخفيفة التي زادت ملامحه رجولة، وهيئته التي أخبرتها دون سؤال أنه عاش حياة مختلفة تمامًا عن تلك التي عاشتها هي… حياة اكتملت.
بينما حياتها توقفت عنده.
_ خديجة…
خرج اسمها من بين شفتيه كأن مجرد نطقه أوجعه.
انحدرت دمعة أخرى على خدها.
كانت تعد الليالي لعودته… كانت تدعو أن يجمعهما الله يومًا… كانت تتخيل تلك اللحظة ألف مرة.
لكنها، الآن، حين عاد أخيرًا… تمنت لو أن الطريق ظل طويلًا، ولو أن المسافات لم تنتهِ، ولو أنها لم تره أبدًا.
كرر بصوت أكثر ارتباكًا:
_ خديجة…
رفعت عينيها إليه، وفيهما سؤال مرتجف، سؤال واحد كانت تخشاه أكثر من أي شيء:
ــ هل ستتركني أم سترحمني؟
نظرت إلى الصغيرة مرة أخرى، ثم سألت بصوت خرج مكسورًا:
_ دي بنتك؟
تجمّد لسانه للحظة، ونظر إلى الصغيرة…
وقبل أن يضيف كلمة، رفعت الصغيرة يدها وضربته بخفة على خده، ثم قالت ببراءة الأطفال:
_ بابي… سيليا عايزة أمشي. أوف، هنا دوشة… فين مامي؟
توقفت أنفاس خديجة.
نظرت إلى الصغيرة مرة أخرى، ثم إليه، ثم عادت إلى الصغيرة، وكأنها تحاول أن تستوعب الحقيقة التي ينكرها قلبها.
_ أيوة، سيليا…
ارتعشت شفتاها، وانفجرت دموعها دفعة واحدة، بلا قدرة على إيقافها.
شعرت بقلبها يضرب بعنف داخل صدرها، حتى خُيّل إليها أنه يحاول الخروج من بين ضلوعها هربًا من ذلك الوجع.
تمتمت، بتقطع، كأن الكلمة انتُزعت من أعماق جرحها:
_ بنتك…
نظر إليها، ثم قال بصوت خافت:
_ أيوة… سيليا عبدالرحمن سلطان الديب.
كان اسمها كافيًا ليسقط آخر ما تبقى من قدرتها على التماسك.
اسودّت الدنيا أمام عينيها.
تلاشت الأصوات من حولها، ولم تعد ترى سوى وجهه… وطفلته…
ترنحت خطواتها، وخذلتها ساقاها، فامتدت يدها دون وعي تستند إليه.
اقترب منها مذعورًا:
_ خديجة!
لكنها لم تسمعه… أو ربما سمعته، لكنها لم تعد تملك قلبًا قادرًا على سماع المزيد.
همست بصعوبة، والحروف تتكسر بين شهقاتها:
_ مبروك.
ثم أغمضت عينيها بقوة.
لم تكن تريده أن يرى دموعها.
لم تكن تريده أن يرى أنها ما زالت تحبه.
ولم تكن تريد لنفسها أن تعرف أنها، رغم كل ما مرّ بها، لم تتخطّه يومًا.
سحبت يدها من يده بسرعة، وقالت بصوت خافت يكاد لا يُسمع:
_ بعد إذنك.


