زعيم مافيا بقلم محمد نور

ادعى زعيم المافيا أنه أفلس ليختبر نادلة ممتلئة القوام، لكن إجابتها جعلته يتخلى عن إمبراطوريته بأكملها.

لم يكن في جيب الرجل المشرد سوى درهم واحد فقط عندما وضعت النادلة أمامه وجبة طعام ساخنة. لم يطلب الطعام. لم ينسج قصة مؤثرة. بل إنه لم يفصح حتى عن اسمه الحقيقي. ورغم ذلك، قدمت له “سمر” الوجبة الوحيدة التي كانت يحق لها تناولها خلال مناوبتها الطويلة التي امتدت لثناث عشرة ساعة، ثم ابتسمت وكأنها لم تفقد أي شيء.

ما لم تكن تعرفه هو أن الغريب الغارق بماء المطر الجالس في الطاولة رقم أربعة كان يمتلك ثلاثة أبراج سكنية فاخرة، وست شركات قانونية، وكان يتمتع بنفوذ يكفي لإيقاف نصف حركة المدينة قبل شروق الشمس. ولم تكن تعلم أيضاً أنه دخل مطعم “النعيم” فقط ليثبت لنفسه أن الطيبة مجرد وهم وكذبة. ولكن بحلول الوقت الذي غادر فيه، لم يعد متأكداً من أي شيء.

كان المطر يضرب نوافذ المطعم الذي يعمل على مدار الساعة. وكانت المياه تتدافع في مجاري الشوارع، جارفة معها أعقاب السجائر، وأكواب القهوة، وغبار المدينة الرمادي نحو المجرى المائي. في الداخل، كان ضوء المصابيح يئز فوق المقاعد الحمراء المتهالكة، بينما امتزجت في الهواء رائحة البصل المقلي، والقهوة المحترقة، ومعقم الليمون. كانت سمر تمسح الطاولة بقطعة قماش مبللة بينما كانت الساعة المعلقة فوق باب المطبخ تتحرك ببطء نحو الساعة الواحدة صباحاً.

كانت قدماها تؤلمانها. وظهرها يؤلمها. وصداع حاد ينبض خلف عينيها. كانت تعمل منذ الظهيرة، ولكن لا يزال أمامها ثلاث ساعات قبل أن تستقل الحافلة عائدة إلى شقتها الصغيرة، التي تتشاركها مع نبتتين تذبلان وكومة من الفواتير الطبية غير المدفوعة. في سن الثانية والثلاثين، تعلمت سمر كيف تتحمل المشقة في صمت. وتعلمت أيضاً كيف ينظر الناس إلى امرأة بجسد ممتلئ مثل جسدها. بعضهم كان يطيل النظر. وبعضهم كان يبتسم بسخرية. وآخرون يخفضون أصواتهم وكأن المرأة الممتلئة القوام يجب أن تكون هشّة بالضرورة. لم تكن سمر خفية ولا هشّة، مهما حاول العالم إظهارها بهذين الوصفين.

ارتنّ الجرس المربوط فوق الباب الخارجي. دخل رجل طويل القامة. كان معطفه ذو الطابع العسكري أكبر من مقاسه ومبتلاً بالكامل، بينما غطى السواد ذقنه. وسقط شعره الأسود على جبهته كخصلات مبتلة، وكانت إحدى فردتي حذائه تنزلق قليلاً أثناء مشيه. لمحته “سارة”، النادلة الأصغر سناً التي تعمل عند صندوق المحاسبة، فاستعرضته بعينيها ثم عقدت ذراعيها فوراً.

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *