شاف طليقته

ثمن الأبوة والندم
الفصل الأول مشهد في المخبز وعودة الماضي
كان عاصم راجل أعمال كبيراً، قفل صفقات وضمن مشاريع ضخمة في دبي ونيويورك ومدريد من غير ما يرمش له جفن أو يتردد لحظة واحدة. الناس في البلد وفي أوساط المال والأعمال كانوا بيسموه ملك المقاولات، لأن أي مشروع يحط فيه إمضته أو يلمسه كان بيتحول فورا لأبراج فخمة، ومولات ضخمة، ومجتمعات سكنية مغلقة ومخصصة للأغنياء وصفوة المجتمع بس. كان عايش في برجه العاجي، محاطاً بحراسة مشددة وسيارات فارهة، وشايف إن كل حاجة في الدنيا ليها ثمن، وإن المشاعر مجرد نقطة ضعف بتعطل قطار النجاح والنفوذ. طلق زوجته فريدة من حولي أربع سنين ونص بسبب خلافات حادة وغيرة من نجاحه وطموحه الأعمى اللي خلاه ينسى بيته وحياته معاها، سابها وهي پتبكي وما فكرش يسأل عنها أو يعرف راحت فين، واعتبر صفحتها اتقفلت للأبد في كتاب حياته المليان بالارقام والصفقات والنجاحات المتتالية.
لكن في عصر يوم جمعة هادي، وهو داخل مخبز بسيط ومتواضع جداً في حي شعبي قديم، بعيد تماماً عن مناطقه المعتادة، نزل من عربته الفارهة عشان يشتري نوع معين من الخبز التقليدي بناءً على نصيحة طبيبه الخاص، وفجأة اتجمد مكانه قدام مشهد عمره ما كان مستعد يشوفه أو يتخيله حتى في أشد كوابيسه. طليقته فريدة كانت واقفة عند بائع الخبز والكاشير، بتعد شوية عملات معدنية بسيطة وفكة مجمعاهم فوق الرخامة الخشبية بتوتر واضح. جنبها كان فيه طفلين توأم، شكلهم عندهم حوالي أربع سنين، لابسين شنط مدرسية قماشية بسيطة عليها رسومات ديناصورات ملونة، وركبهم الصغيرة كلها خدوش وچروح بسيطة من كتر اللعب والجري في حوش المدرسة أو الشارع. واحد منهم كان واقف على طراطيف صوابعه وباصص على لفائف القرفة المخبوزة ورا الزجاج كأنها كنز كبير بعيد المنال ويشتهيها بشدة، والتاني الهادي كان ماسك في إيده كشكول صغير مليان رسومات وتلوين للكواكب والنجوم والفضائ الخارجي.
قال الطفل الهادئ بنبرة طفولية حزينة هزت جدران المخبز يا ماما، لو الفلوس مش كفاية عشان الحلوى، أنا مش عايز عيش كمان، شيلى نصيبي. ابتسمت الأم فريدة بابتسامة مريرة فيها كمية كرامة وتعب وعزة نفس في نفس الوقت، وطبطبت على كتر الطفل وقالت كفاية يا حبيبي والخير كتير… بس هنعدهم كويس عشان ندي عمه حقه. عاصم حس في اللحظة دي إن الأرض بتميد من تحته، وإن جدران المكان بتلف بيه. مش معقول، دي فريدة! هي لسه ما شافتوش ولا حست بوجوده. شعرها مربوط ببساطة، ولابسة بلوزة عمل بسيطة جداً وقديمة، وعلامات الإرهاق والتعب والسهر واضحة ومحفورة في خطوط رفيعة حوالين عينيها الجميلة. ما بقتش الست الشابة النضرة اللي كانت بتتعشى معاه زمان في أفخم فنادق العاصمة وسط وعود حب وأحلام وردية ما كملتش بسبب قسۏة قلبه. بقت أم بتحارب لوحدها في طاحونة الحياة عشان تعيش وتأكل عيالها. صاحب المخبز، وهو راجل عجوز وطيب، حس بحالها وزق لها كيس كبير مليان مخبوزات وحلويات زيادة وقال بصوت واطي وخجول خدي دول كمان للأولاد يا بنتي، بركة المخبز اليوم. فريدة ردت بسرعة وعزة نفس لا يا عمي، كده مينفعش، أنا هاخد على قد فلوسي بس. الراجل قال ما تكسفينيش قدام نفسي وقدام الأولاد يا بنتي، دول زي ولادي. التوأم الصغيرين فرحوا جداً وصفقوا بهدوء وسعادة طفولية بريئة هزت قلب عاصم من جوه. أما هو، فرجع لورا بسرعة وړعب قبل ما تلتفت وتبص ناحيته،

1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *