بقلم مريم غريب

رفع يده ليزيل غطاء القماط الوردي عن وجهها، لحظتين فقط أحس خلالها بطبيعة ما قاساه طوال عمره، سنواتٍ طويلة من السقوط بمستنقع أبيه القذر، و حفرةٍ عميقة من الألم لا يسعه الخروج منها.. لحظة أن كشف عن وجه إبنته أخيرًا
كل شيء تلاشى …
حرفيًا كل معاناته و كأنها لم تكن، الرضيعة الضيئلة، بوجهها تام الاستدارة، و شعرها الذهبي الخفيف المتناثر حول وجهها، و شفاهها الحمراء المكتنزة و المزمومة بالاشتراك مع حاجبيها الفارغين المعقودين
أفلتت من بين شفاه “رزق” ضحكة قصيرة ملؤها الشجن، و حاول أن يمد اصبعه ليلامس بشرتها الحليبية، لكن الرضيعة فاجأته، إذ قبضت على أصبعه بكامل قبضتها الضعيفة
شهق “رزق” مبهورًا، و حبس أنفاسها باللحظة التالية حين إنفتحت عينيّ الرضيعة، فكاد يعميه بريق زرقة بؤبؤيها الواسعين و المكللين بأهدابها الكثة الطويلة
إلتحمت نظرته بنظرتها بلا إنقطاعٍ، ليردد تلقائيًا كما لو أنه يخاطبها :
-كاميليا.. هاي يا كاميليا !
كل هذا الاهتمام بأختها المزعومة، كان يشدد عليها الخناق إلى حدٍ مميت، لم تتحمل المكوث معها بمكانٍ واحد، تركتها مع بقية العائلة و إنسلّت مسرعة إلى شقة أمها و التي أمست تسكنها برفقة شقيقها “حمزة” بعد أن انتقلت أمها إلى شقة أبيها بالأعلى
توجهت “سلمى” رأسًا إلى غرفتها، جلست فوق مكتبها الصغير و فتحت حاسوبها المحمول الذي حصلت كهدية عيد ميلاد من أخيها “رزق”
شغلت النظام على عجالة و فورًا ذهبت للاتصال بحبيبها، ففتحت الكاميرا و بقيت في الانتظار، لحظاتٍ.. و قفزت صورته أمام عينيها …
-عـــاصـم !
نادته عبر الميكروفون المعلق عند فمها موصولًا بسماعتي رأس
قابلت نظرتها الواهنة اللامعة نظرته الحادة، و سمعت صوته تاليًا يخاطبها بخشونةٍ :
-لا يا شيخة ! عاصم.. بجد ؟ إنتي عارفة أنا كلمتك كام مرة من الصبح ؟!!
بررت له في الحال :
-معلش حقك عليا. ماكنش بخاطري أصلك ماتعرفش إللي حصل …
و حكت له ما حدث، عودة “رزق” بعد غيابٍ طويل، و ظهور أخت جديدة لها
لم يهمه في كل ذلك سوى أمرًا واحدًا أخذ يستوضحها فيه بانفعالٍ بَيّن :
-كل ده مايهمنيش.. أنا دلوقتي عايز أعرف حاجة واحدة بس. أبوكي موافق على جوازنا و لا لأ ؟؟؟؟
ردت “سلمى” بتوترٍ :
-أكيد يا عاصم. هو لو ماكانش موافق كان قال لابوك.. بس هو كان مستني رزق لما يرجع زي ما قالكم …
عاصم بعصبيةٍ : أنا ماعرفش الكلام ده. بقالي سنة متكلم عليكي. و كل ما أبويا يروح يكلم أبوكي يرجعوا إيد ورا و إيد قدام.. لحد إمتى يا سلمى ؟؟؟؟؟؟
ضمت حاجبيها مرددة بخشوعٍ :
-طيب إنت بتزعق لي ليه دلوقتي.. أنا ذنبي إيه ؟




