بقلم مريم غريب

و ما من كلمات تعبر عن أسفها، لذلك إلتزمت الصمت، و بقيت تراقبه فقط و عيناها تفيض من الدمع
خمسة أمتار …
بضعة خطوات فقط و سينتهى كل شيء، أو سيبدأ !
لا يدري أيّ قوى كانت تحركه، لكنه لم يكن يشعر بقدميه، مع ذلك لم يتوقف للحظة عن الاقتراب من الباب المغلق ظاهريًا.. و بالرغم من هذا و كأن قطب مغنطيسي يسحب الباب للخلف، لينفتح ببطءٍ
في البداية لم يميز “رزق” سوى خيال لأنثى قد مالت صوب الفراش و كأنها تمد يد المساعدة لأحدهم، و ما لبث أن رأها بعد لحظة، زوجته.. “نسمة”… برزت وراء الأنثى التي إتضح بالفعل أنها ممرضة و قد كانت ترتب الوسائد خلف ظهر “نسمة”
“نسمة” التي لاحظت حضوره من أول وهلة، و خرج إسمه من بين شفاهه ملبدًا بدموعها الحارقة :
-رزق !
في نفس اللحظة يدفع “رزق” بباب الغرفة عن آخره، ليلج مبعدًا الممرضة عن طريقه باشارة من يده، و أول ما بدر منه أن إنخفض ليكون في مستوى “نسمة”.. احتضن رأسها في صدره مقبلًا شعرها الغجري و الدموع تترقرق بعينيه
أما هي فمن أول لحظة لمسها أجشت ببكاءٍ مرير و هي ترفع ذراعيها لتتعلّق به كغريقة بطوق النجاة، و بأنفاسها الحارة المتقطعة تنفجر فيه نائحة :
-كده يا رزق ؟ كده.. هونت عليك ترميني كده… كده تسيبني لوحدي.. أكتر وقت كنت محتاجالك فيه.. سبتني ليه و لمين ؟ كده يا رزق.. كده !!!
-أنا آسف ! .. نطق “رزق” بصعوبةٍ
لكنه أردف كي ما يرسخ إنطباعًا بأن الأمور صارت على ما يرام باللحظة الراهنة :
-خلاص يا نوسا. أنا رجعت.. مش هاسيبك تاني أبدًا. و ربي.. صدقيني ما هاسيبك تاني أبدًا. رجلك على رجلي فين ما أروح !
يتداخل صوت عواء الرضيعة في صوته فجأة، فيتجمّد لبرهةٍ، و يرتد بحركاتٍ متباطئة، سمح لنظراته بأن تلتقي بنظرت “نسمة” الكسيرة المرهقة
و من خلال شفاةٍ شاحبة متشققة تمتمت له بتعبٍ :
-بنتك.. مالهاش إسم لحد دلوقت… و صممت أبوها إللي يسميها !
ألقت بيدها إلى جوارها دون أن تحيد نظراتها عنه، لينظر “رزق” إلى حيث امتدت يدها، فإذا بها لفافة متحركة، و كأن بداخلها عصفورٍ يرفرف
كذلك رفرف قلبه، بينما تصب “نسمة” جام جهدها على هذا، فتحمل رضيعتها بحرصٍ و تمدها نحو أبيها بيدين رخوتين
أسرع “رزق” يتناول منها مخافة أن تسقط من بين يديها، و قد صدمته خفة الرضيعة ذات الوجه المغطى، إبتلع ريقه بتوترٍ و هو يضمها إلى صدره الواسع …





