روماني مكرم 2

دخلنا المندرة عند المعلم فرج، وكان راجل شديد وكلمته سيف. قعدنا وعصام راسه في الأرض، وبدأت أنا أتكلم وأشرح له الوضع وعرضت عليه رهن نص البيت مقابل الإيصالات، لحد ما عصام يشتغل ويسدد.
المعلم فرج سكت شوية، وشرب من كوباية الشاي، وبص لنا بكل جمود وقال: “كلامكم زين يا بنتي، ويقطع القلب.. بس أنا تاجر وبحسبها بالورقة والقلم. نص البيت ده مش هعرف أتصرف فيه ولا أبيعه طول ما أبوكم عايش فيه، يعني فلوسي هتفضل متجمدة، وأنا محتاج سيولة لتجارتي”.
أختي الكبيرة بدأت تبكي وتقول: “بوس إيدك يا معلم فرج، استرنا واستر أخونا، ده إحنا ملناش غيره بعد ربنا وأبونا راقد في الإنعاش”.
المعلم فرج حط الكوباية وصقف بإيده، ودخل واحد من رجالته ومعاه شنطة سودا، وحطها على التربيزة. المعلم فرج بصلنا وقال: “أنا عندي عرض تاني.. وهيخلصكم من كل الديون دي في ثانية واحدة، وهتخرجوا من هنا ومعاكم قرشين كمان تعالجوا بيهم أبوكم”.
بصينا لبعضنا برعب، وعصام سأل بنبرة قلقانة: “عرض إيه ده يا معلم فرج؟!”.
المعلم فرج مال لقدام وقال بنبرة واطية وعينيه بتلمع: “البيت بتاعكم ده، مبني من سنة 1950.. والمنطقة اللي هو فيها، كل البيوت اللي جنبها لما اتهدت عشان يبنوا أبراج، ظهر تحتها خير كتير.. آثار من بتاعة زمان.. وأنا عاوز أشتري البيت كله كاش، باللي فوق الأرض.. واللي تحت الأرض.. وتمضوا على البيع النهائي دلوقتي حالا.. وإلا.. المحضر هيتحرك وعصام هيبات في السجن الليلة”.
وقفنا كلنا مذهولين.. نبيع البيت كله؟ ونرمي أمنا المريضة وأبونا اللي في العناية ونيرمين العاجزة في الشارع؟! وتحت الأرض في إيه؟!
وقبل ما عصام ينطق أو ياخد القرار، الباب اتفتح ودخل حسين ابن جارتنا وهو بينهج ووشه جايب مية، وصرخ فينا: “إلحق يا عصام.. إلحقي يا نادية.. أبوكم.. المستشفى بتتصل وبتقول..”.. يتبع..
تكملة أحداث القصة – الجزء الرابع:
طارت عقولنا من مكانها لما حسين نطق الجملة دي، وأختي الكبيرة صرخت ولطمت على وشها: “أبويا مات! أبويا راح يا عصام!”، وجرينا كلنا من مندرة المعلم فرج زي المجانين في الشوارع، وسبنا الشنطة والورق وراه، وعصام كان بيجري ويقع في الطين من كتر الصدمة وهو بيصرخ: “لأ يا رب.. بلاش أبويا.. متوجعش قلبي عليه وأنا مكسور كدة!”.




