خيوط القمر ج١

— أتمنى تكون على قد مستوى دار لوران.

خرجت المساعدة، بينما عاد هو إلى عمله دون أن يعلم أن هذا الاسم، الذي مر أمامه في ثوانٍ، سيصبح بعد أشهر جزءًا من تفاصيل أيامه.

—

في الجهة الأخرى من المدينة…

كانت **رنا الشافعي** صاحبة السابعة والعشرون عاما، تقف أمام مرآتها، ترتب خصلات شعرها للمرة الأخيرة.

التقطت حقيبة تضم دفتر رسوماتها، وأخذت نفسًا عميقًا.

ابتسمت لنفسها وهي تقول بصوت منخفض:

— يا رب… أول يوم يعدي من غير ما أعمل مصيبة.

ثم خرجت من المنزل بخطوات يملؤها الحماس… غير مدركة أن أول يوم لها في **دار لوران للأزياء** سيكون بداية قصة ستغير حياتها بالكامل.

الفصل الثاني

وقفت رنا أمام مبنى دار لوران للأزياء لثوانٍ، تحدق في الواجهة الزجاجية الشاهقة.
أطلقت صفيرًا خافتًا وهي تتمتم:
— يا نهار أبيض… هو ده شركة ولا مطار؟
ابتسم حارس الأمن الذي سمع تعليقها.
— أول يوم؟
ابتسمت بخجل وهي تومئ برأسها.
— باين أوي؟
ضحك الرجل.
— من نظرة الانبهار… أه.
ضحكت هي الأخرى، ثم أبرزت بطاقة التعيين.
— أنا رنا الشافعي… قسم التصميم.
راجع الحارس الاسم سريعًا، ثم قال بابتسامة:
— أهلًا بيكي في دار لوران… الدور الخامس.
— شكرًا يا عم حسن.
رفع حاجبيه باستغراب.
— عرفتي اسمي؟
أشارت إلى البطاقة الصغيرة المعلقة على بدلته.
— المصممين لازم يلاحظوا التفاصيل.
ضحك الرجل وهو يفتح لها البوابة.
— واضح إنك هتتعبي الناس هنا.
لوحت له بيدها وهي تدخل.
…..
كان الطابق الخامس يعج بالحركة.
لوحات ألوان، ولفائف أقمشة، وفساتين معلقة على مجسمات العرض، وأصوات ماكينات الخياطة تمتزج بنقاشات المصممين.
وقفت رنا في منتصف المكان تدور بعينيها بانبهار.
— ده أجمل مكان شوفته في حياتي.
جاءت إليها موظفة الاستقبال.
— حضرتك الآنسة رنا؟
— أيوه.
— اتفضلي… الأستاذة منى، مديرة قسم التصميم، في انتظارك.
دخلت رنا المكتب بعد أن طرقت الباب.
ابتسمت لها سيدة في منتصف الأربعينيات.
— أهلًا يا رنا… أنا منى.
صافحتها رنا باحترام.
— سعيدة جدًا بانضمامي للفريق.
ابتسمت منى.
— سمعنا عن مشروع تخرجك، وعن المجموعة اللي خلت لجنة التحكيم تختلف يومها.
ضحكت رنا.
— الحمد لله إنهم اختلفوا على التصميم… مش عليّ.
ابتسمت منى.
— عندك روح جميلة… وده هنحتاجه هنا.
ثم اصطحبتها في جولة داخل القسم.
كانت رنا تلقي السلام على الجميع بابتسامة صادقة، حتى بدأ التوتر يختفي من ملامحها.
….
بعد ساعة…
كانت منى تشرح لـ رنا نظام العمل، عندما دخل أحد الموظفين مسرعًا.
— الأستاذ فاروق جاي يتابع تقدم المجموعة الجديدة.
ساد الهدوء فجأة.
اعتدل الجميع في أماكنهم.
همست رنا لمنى:
— هو بيعمل تفتيش مفاجئ؟
ابتسمت منى.
— لا… هو بيتابع كل حاجة بنفسه.
قبل أن تضيف شيئًا، دخل فاروق إلى القسم.
ألقى السلام بهدوء.
— صباح الخير.
— صباح النور يا فندم.
بدأ يتفقد التصاميم واحدًا تلو الآخر، يسأل، يناقش، ويدون ملاحظاته دون أن يرفع صوته.
راقبته رنا من بعيد.
تمتمت بصوت منخفض لا يكاد يُسمع:
— شكله مركز زيادة عن اللزوم…
وفي اللحظة نفسها…
التفت فاروق نحوها.
اتسعت عيناها قليلًا.
— يا ساتر…
اقتربت منه منى.
— أستاذ فاروق… أحب أعرف حضرتك بالمصممة الجديدة.
نظرت رنا إليه، ثم مدت يدها بثقة.
— صباح الخير… أنا رنا الشافعي.
صافحها باحترام.
— فاروق الكيلاني.
ابتسمت بخفة.
— عارفة… صعب يكون فيه حد هنا ميعرفش حضرتك.
لم يعلق، لكن ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، سرعان ما أخفاها.
قال بهدوء:
— أتمنى أشوف تصاميم تليق باسم دار لوران.
أجابت بثقة هادئة:
— وأنا أتمنى تعجب حضرتك.
ثم غادر لاستكمال جولته.
تنفست رنا الصعداء.
همست لزميلتها الواقفة بجوارها:
— الحمد لله… كنت فاكرة هيطلع عنده ليزر في عينيه.
لم تتمالك زميلتها نفسها من الضحك.
وفي اللحظة نفسها…
كان فاروق قد توقف لثانية عند نهاية الممر.
وصلته الجملة بوضوح.
خفض رأسه قليلًا حتى لا يراه أحد… وابتسم.
ابتسامة قصيرة… لكنها كانت أول ابتسامة ترسمها عفوية تلك الفتاة منذ أن دخلت الشركة.
أما رنا…
فلم تكن تعلم أن رئيسها التنفيذي سمع تعليقها بالكامل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *