مصطفى وجهاد
المأذون بص لهم وابتسم :
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير”
الكلمة نزلت على ودن جهاد كأنها حكم محكمة، وعلى ودن مصطفى كأنها أمانة جديدة اتحطت فوق الأمانة القديمة.
أول واحد عرف كان أم مصطفى. الست أول ما سمعت الخبر وقعت من طولها، وبعدين قامت تصوت :
“يا مصيبتي! يا مصيبتي! ابني مهندس قد الدنيا يتجوز أرملة ومعاها عيل! ليه يا مصطفى تعمل في نفسك كده! ده انت لسه عازب!”
مصطفى كان واقف في نص الصالة وبيحاول يهديها :
“يا ماما افهميني، ده جواز على الورق بس عشان أحمي مرات صاحبي وابنه، ده عواد موصيني قبل ما يموت، مينفعش أسيبهم للكلاب تنهش فيهم”
أمه ضربت على صدرها :
“تحميها هي تروح تتجوزها! كنت احميها من بعيد لبعيد، مش تلبسها في رقبتك! الناس هتقول إيه؟ هيقولوا ضحك عليك واخدتك عشان تربي ابن غيرك!”
مصطفى سكت ومعرفش يرد، لأن كلام أمه هو نفس كلام الناس اللي بدأ يظهر في الحارة. الستات في الشارع بقوا يبصوا لجهاد وهي معدية ويتهامسوا :
“شوفتي؟ اتجوزت صاحبه بسرعة ازاي؟”
“ما هو كان داخل طالع عليها من بعد ما مات”
جهاد سمعت الكلام بودانها وطلعت تجري على شقتها وقفلت الباب وقعدت تعيط بحرقة، وحست إنها دخلت سجن جديد بدل ما تخرج من سجن أهل جوزها.
وفي نفس الليلة، مصطفى كان قاعد لوحده في البلكونة، ماسك ورقة قسيمة الجواز اللي لسه طالعة، بيبص فيها وبيفتكر وش عواد وهو بيقوله “في رقبتك ليوم الدين”. لأول مرة يحس إن الورقة دي مش هتحمي جهاد بس، دي هتورطه هو كمان في حاجة أكبر بكتير من اللي كان عامل حسابه.
وفجأة تليفونه رن، كانت جهاد، صوتها بيرتعش وبتعيط :
“مصطفى… عماد سخن مولع ومش عارف ماله وبيترعش، أنا لوحدي وخايفة، تعال بسرعة”
مصطفى نط من مكانه وقلبه وقع في رجليه، ولبس أي حاجة قدامه وجري على الموتوسيكل وهو بيصرخ :
“أنا جاي حالا، متخافيش، خمس دقايق وهبقى عندك”
صوت الموتوسيكل بتاع مصطفى وهو بيفرمل قدام البيت كان عالي ومرعب في عز الليل. طلع السلم جري، تلت سلالم في نطة واحدة، وقلبه بيدق كأنه هيخرج من صدره.
فتح الباب بلهفة، لقى جهاد قاعدة على الأرض في أوضة النوم وحاضنة عماد اللي وشه أحمر مولع وجسمه بيترعش وسخن زي النار. جهاد نفسها كانت بتترعش من الخوف ودموعها مغرقة وشها.



