«العبيط فاكرني خلاص بموت! لو عرف إني الجمعة الجاية هسافر مع "تامر" بفلوسه، هيطب ساكت قبلي!» سمع حسين الجملة دي وهو واقف في ممر الشقة زي المكسور، أول ما فتح الباب ورجع من وردية الليل في المصنع وجسمه مهدود. كان بينه وبين نفسه بيموت من القلق عشان مراته "نهى" اللي المفروض إنها بتطلع في الروح، واللي عشان علاجها باع عربيته وجمّع كل حيلته، حوالي 600 ألف جنيه. سمع ضحكتها الطنانة جاي من الأوضة وهي بتتكلم في التليفون، مش الصوت الدبلان بتاع الست اللي كانت بتقول مش قادرة تطلع سلمة واحدة. حسين لسه راجع من وردية 12 ساعة في مصنع في العاشر من رمضان. بقاله شهور بيشتغل الليل مع النهار، باع عربية السوزوكي اللي كان بيترزق منها، وحتى المحل الصغير اللي ورثه عن أبوه في السيدة زينب عرضه للبيع عشان العملية المفتوحة اللي ادعت "نهى" إنها محتاجاها في قلبها. وكملت نهى في التليفون ببرود: — والقرض كمان شغال يا تامر.. قدمت عليه ببيانات حسين من الموبايل، مستنية بس رمز التأكيد لما يجيله. أما "شهد" بقى، فا باعت كل اللي حيلتها وادتني 180 ألف جنيه تحويشة عمرها.. العبيطة حتى مأخدتش مني أي إثبات! البت تقعد مع أباها بقى.. أنا عملت أصلًا كتير على بت مش بنتي! حسين حس إن رجليه مش شايلاه. الكلام ده كان ألعن من الخيانة نفسها. "شهد" بنته عندها 18 سنة، شقيت بالسنوات في كافيه في الكورنيش عشان تجمع المبلغ ده لجامعتها، ونهى ضحكت عليها وبكت قدامها وقالتلها إنها لو مسافرتش تعمل العملية في ألمانيا مش هتلحق تتنفس لحد رأس السنة. سحب حسين نفسه وخرج بره الشقة بالراحة من غير ما تحس. استنى خمس دقائق بره، وبعدين دخل ورزع الباب وعمل صوت بالمفاتيح. دخل الأوضة لقى نهى نايمة على السرير، وشها أصفر، وحاطة إيدها على قلبها وبتئن: — أنا النهاردة حاسة إني بضيع يا حسين... قالته بصوت ميت، وبص حسين على التسريحة لقى علبة الميك أب مفتوحة وعلبة البودرة الپينك جنبها. — أطلبلك إسعاف القصر العيني فورًا؟ — لا! الدكتور "مدحت" قال أي مستشفى حكومي أو حكيم مش فاهم ممكن يضيعني.. لازم المستشفى المخصوص اللي اتكلمنا عليه! حسين فهم ساعتها إنه بقاله شهور عايش في مسرحية رخيصة. تاني يوم الصبح، مثل حسين إنه لسه مخدوع. حتى قالها إن الراجل اللي هيشتري محل السيدة زينب هيديله العربون كمان يومين. عينين نهى لمعت من الفرحة قبل ما تلحق تداري. بعدها راح لـ "شهد" وسألها بالراحة عن فلوسها: — اديتهم لـ نهى يا بابا.. قالتلي إن "تامر النجار"، المنظم بتاع السفر الطبي، هيخليهم معاه لحين سداد مصاريف المستشفى. — أخدتي منه ورق أو وصل أمانة؟ شهد هزت رأسها بنفي وهي مش فاهمة، وحسين ميرضاش يكسر قلبها بالحقيقة في اللحظة دي. طلع حسين على طول على "أستاذة أمل"، المحامية بتاعة الشركة عنده. نصحته ميمشيش بغشامة ولا يواجه نهى دلوقتي، وطلب منه يغير كل باسورادت الموبايل ويروح البنك فورًا. وهناك كانت الصدمة.. امبارح بالليل اتنزل طلب قرض شخصي باسمه بـ 400 ألف جنيه، بس السيستم وقفه عشان في بيانات مش متطابقة. الموظف قالوله: — الحمد لله إنك جيت.. لو كانت البيانات ظبطت، كان القرض اتقبل ونزل في الحساب وا his اتسحب! رجع البيت، لقاه نهى بتبتسم وبتقوله بلهفة: — ها يا حسين؟ القرض أخباره ايه؟ — خلاص.. إتفرد وتقريبًا جهز. من فرحتها، قامت نطت من على الكنبة بسرعة نسيت بيها إنها مفروض مش قادرة تمشي! في الليل، حسين قعد يراجع ورق سفر ألمانيا. اكتشف إن الفلوس مش رايحة لأي مستشفى، دي رايحة لشركة اسمها "الفقيه للسياحة"، ومديرها هو "تامر النجار". بعت حسين إيميل مباشر للمستشفى في ألمانيا ورفق معاهم خطاب القبول اللي نهى أديتهوله. والرد جه مع أذان الفجر: "نهى السيد" مش متسجلة عندنا كمرضى، والجواب ده مزور بالكامل، والمستشفى ملهاش أي علاقة بشركة "الفقيه للسياحة". وهو بيمسح دموعه وقاعد يقرأ الإيميل، جاله مسج على الواتساب من "أم أحمد" جارتهم، بعتالو صورة مصوراها من يومين في مول في التجمع: نهى واقفة من غير أي عكاز، شايلة شنط شوبينج، وتامر حاطط إيده على وسطها وبيقبلها.. ووراهم شنطتين سفر جُداد زيرو. كانفاضل 3 أيام بس على موعد السفر المزعوم... وحسين أدرك إن تمثيلية المرض دي كانت مجرد بداية لكارثة أكبر بكتير كانت هتخرب بيته بالكامل. حفظ حسين الصورة على موبايله وأخد أصعب قرار في حياته: يرجع البيت ويتعامل عادي، وينادي لمراته بـ "يا حبيبتي" وهو عارف إنه عايش مع تعبان. لمدة يومين، نهى فضلت مستمرة في التمثيلية.. تدعي الدوخة كل ما حسين يسألها عن عقود الشركة، وتعيط بحرقة لما يطلب منها إيصالات، وتتهمه إنه بيحب الفلوس أكثر من حياتها. بس حسين كان خلاص بدأ يجمع الأدلة. رافقها لمركز القلب اللي المفروض بيعالجها فيه دكتور اسمه "مدحت شعبان". في الاستقبال، الموظف قاله إن الدكتور أصلاً مش موجود النهاردة. نهى ارتبكت وألفت كذبة سريعة إنه خرج لحالة طوارئ. بعد يومين، حسين رجع المركز لوحده ومعه نسخة من التحاليل والإشاعات اللي عليها توقيع الدكتور. مدحت تهرب من الإجابة ورفض يوضح أي حاجة، وتقريبًا طرده من العيادة. وهو طالع في الممر، ست وقعت منها شنطة أوراق. حسين وطى يساعدها وياخد الورق، بس قلبه وقف لما بص بالصدفة: واحدة من الأشعة كان عليها نفس رقم المسلسل، نفس التاريخ، وحتى نفس الخطأ الإملائي اللي في تقرير نهى! الست كان اسمها "ميرفت". — التقارير دي بتاعتي أنا! — قالت ميرفت وهي مصدومة لما قارنت الورقتين — أنا عاملة الفحوصات دي من شهر مارس اللي فات! ميرفت قدمت شكوى فورية في إدارة المركز. وبدأت الخيوط تتكشف؛ حسين عرف إن الدكتور مدحت دخل على ملف ميرفت الطبي كذا مرة بدون أي سبب طبي. في نفس الوقت، نقابة العمال في المصنع اللي كانت بتجمع تبرعات لـ نهى جمدت الحساب بالكامل. حوالي 600 ألف جنيه فضلوا زي ما هما، لأن أمين الصندوق رفض يحول المبالغ من غير فواتير رسمية مختومة من مستشفى معروف. كان فاضل بس حاجة واحدة: يرجعوا تحويشة "شهد". في الليلة دي، شهد دخلت تدور على حاجة في دولاب نهى، فلقت الشنطة اللي نهى مجهزاها لـ "سفر العلاج": مايووهات، صندل بحر، فساتين سهرة، ميك أب، وسشوار، وكتالوجات لمنتجعات شاطئية! شهد جرت على أباها والدموع في عينها: — بابا... هي نهى مش عيانة؟ حسين مقدرش يخبى عليها أكتر من كده. ورّاها إيميل المستشفى، والصورة اللي صوروها مع تامر في التجمع، وتقرير الأشعة المسروق. شهد اتسمرت على السرير: — أنا كنت بدافع عنها!.. كنت فاكرة إنك إنت اللي بتضغط عليها ومقصر معاها! — إنتي كنتي فاكرة إنك بتنقذي حياتها يا شهد. — هي قالتلي لو مادتهاش تحويشتي، ممكن تموت قبل ما السنة تخلص... وبدأت شهد تعيط بقهقرة وسكتت. تاني يوم، حصلت المفاجأة اللي محدش يتوقعها. شاب اسمه "كريم" جه لحسين عند باب المصنع في العاشر. — أنا ابن تامر النجار... كريم طلع موبايله ووراه حجز طيران: — أبويا مش هيسافر مع نهى ولا حاجة. هو حجز تذكرة واحدة ليه هو بس ليوم الخميس، وحجز نهى اتلغى من 3 أيام! — أومال بيبص لـ نهى ليه وبينصب معاها؟ — عشان ياخد الفلوس ليها وله. أنا شفت الظرف بتاع شهد في مكتبه.. امبارح سدد بيه ديون عليه وحجز تذكرته. نهى فاكرة إنهم بيهربوا سوا، بس هو ناوي يخلع بالفلوس ويدبسها هي لوحدها! كريم أضاف إن جهاز الكمبيوتر في شركة السياحة فيه مسودة بلاغ متحضر ضد حسين، بيتهموه فيه إنه "سرق" التبرعات وتسبب في هروب مراته المريضة. يعني نهى كانت عاوزة تسرق جوزها وبنته.. وتامر كان ناوي يسرق نهى ويغفل الجميع! في نفس اليوم بالليل، نهى أعلنت عن عزومة وداع في مطعم في المهندسين: — هناك هتسلمني الفلوس قدام الكل، وتامر هينزل ياخدهم عشان يدفع مصاريف المستشفى. حسين ابتسم بثبات وقالها: "ماشي". بالليل، قعد حسين مع "أستاذة أمل" المحامية وأمين صندوق النقابة، وجابوا شنطة سودا كبيرة. حطوا فيها رزم ورق مقصوص على قد الفلوس، وحطوا على الوش كام ورقة بفلوس بجد. الكل كان فاكر إن يوم الخميس هيكون مجرد عزومة وداع.. بس في الحقيقة، كانوا على بعد ساعات من كشف الأقنعة، ومحدش فيهم كان متخيل إيه اللي هيحصل أول ما الشنطة دي تتفتح! PARTE 3 (النهائية) وصل الجميع لمطعم في المهندسين. كانت نهى قاعدة زي الملكة، حاطة إيدها على قلبها بتمثيل متقن، وجنبها تامر النجار يبتسم بابتسامة خبيثة ويوزع نظرات النصر. حسين دخل بخطوات هادية، ماسك في إيده الشنطة السودا، وجنبه شهد المحامية وأمين صندوق النقابة. — أهلاً يا حسين — قال تامر بثقة وهو بيتمد إيده — الشنطة فيها المبلغ كاملاً؟ تحويشة شهد والتبرعات ومبلغ المحل؟ — كل حاجة هنا يا تامر — رد حسين بثبات رصين — 600 ألف جنيه تبرعات النقابة، و180 ألف بتوع شهد، وفلوس عربون المحل. عيون نهى اتسعت من جشع الفرحة، وقالت بصوت مجهد تصطنعه: — تسلم إيدك يا حبيبي.. أديهم لـ تامر بسرعة عشان يلحق يحولهم للشركة قبل الميعاد. تامر مسك الشنطة بلهفة وسحب السوستة. فتح الشنطة قدام كل اللي قاعدين في المطعم... بس بدل الفلوس، كانت الشنطة مليانة أوراق بيضا مقصوصة بنفس حجم الجنيهات، وعلى الوش بس ورقتين بتوع مائة جنيه! تامر اتصدم ووشه جاب ألوان: — إيه ده؟! إنت بتستهبل يا حسين؟ فين الفلوس؟! في اللحظة دي، حسين أخرج موبايله وشغل مكبر الصوت. خرج صوت "كريم" ابن تامر واضحًا للجميع: — بابا حجز تذكرة طيران واحدة لتركيا باسمه ليوم الخميس، وحجز نهى اتلغى من 3 أيام. وهو خد 180 ألف بتوع شهد وسدد بيهم ديونه الشاطبية. نهى اتسمرت في مكانها، وبصت لـ تامر بذهول: — تامر... الكلام ده صح؟! إنت لغيت حتتي؟! تامر ارتبك وصرح بصوت عالي: — الواد ده كداب ومجنون! قبل ما تامر يكمل كلمته، دخلت القاعة "ميرفت" ومعاها ضابط شرطة واثنين من أمناء الشرطة. — هو ده الدكتور والأستاذ اللي زوروا الأشعة والتقارير الطبية باسمي! — قالت ميرفت وهي بتشاور على تامر ودكتور مدحت اللي كان قاعد في آخر الترابيزة. المحامية أمل وقفت وقدمت للضابط محضر رسمي يتضمن: * إيميل المستشفى الألمانية الموثق بنفي وجود أي مريض باسم نهى. * صور المحادثات بين نهى وتامر للتخطيط للسرقة والنصب. * تسجيلات وبلاغ سرقة الـ 180 ألف جنيه الخاصة بشهد. * التقرير الطبي المزوروالمسروق من مستشفى القلب. ضابط الشرطة بص لـ نهى وقالها بصرامة: — اتفضلي معانا يا مدام.. وإنت كمان يا أستاذ تامر، ودكتور مدحت يتفضل معانا. نهى زقت الكرسي وقامت وقفت على حيلها بمنتهى الصحة والنشاط، نسيت العكاز ونسيت وجع القلب، ومسكت في هدوم تامر بتصرخ: — يا خاين! يا حرامي! كنت عاوز تاخد فلوسي وتخلع لوحدك؟! تامر زقها بقوة وقالها: — فلوس مين يا هبلة؟! إنتي فاكرة نفسك إيه؟ إنتي مجرد أداة نصب بالنسبة لي! الشرطة كلبتش إيد تامر ونهى ودكتور مدحت وسط ذهول كل المتواجدين في المطعم اللي كانوا بيصوروا المشهد بالموبايلات. نهى وهي بتتجر لبرة بصت لـ حسين ودموعها نازلة، المرة دي دموع حقيقية: — حسين! ارجوك سامحني.. أنا اتضحك عليا! حسين أرجوك متسبنيش! حسين بص لها بكل برود وقال كلمة واحدة: — انتي انتهيتي من حياتي يا نهى.. والقانون هو اللي هيديكي حقك. بعد شهرين من الحادثة: * تم الحكم على تامر النجار بـ 5 سنوات سجن بتهمة النصب والتزوير وسرقة أموال شهد. * تم الحكم على نهى بـ 3 سنوات سجن لمشاركتها في الجر..يمة والشروع في سرقة القرض والتزوير. * تم إلغاء ترخيص دكتور مدحت وحبسه سنتين. * تم استرداد الـ 180 ألف جنيه الخاصة بشهد بعد حجز النيابة على حسابات تامر. رجع حسين لشتقته مع بنته شهد، كانت الشقة أهدى وأطهر. شهد دخلت جامعتها اللي بتحلم بيها، وحسين رجع يشتغل في مصنعه وهو مرفوع الرأس، بعد ما كشف الخيانة وانقذ بنته ونفسه من أبشع ملعوبة كانت هتخرب حياتهم للأبد.