حكايات رولا

​الجزء الثامن: البيت اللي بقى سكن بجد
​بعد سنة كاملة من اليوم اللي رجعت فيه بدري من السفر وشفت الكابوس ده.. اتجمعنا كلنا تاني في بيت العيلة القديم اللي شهد كل الأحداث.
​بس المكان اتغير تماماً..
الصالة اللي كانت عفاف بتقعد فيها وتأمر أمي وتذلها، بقت حيطانها بيضاء ودافية، مليانة رسومات لعمر ومريم، والشمس داخلة فيها بهدوء. أمي فاطمة عملت أوضة في البيت مكتبة صغيرة لأطفال المنطقة يقعدوا يقرأوا فيها. والمطبخ عدلنا فيه الرخام والمقابض عشان تكون واطية وسهلة لإيدها ومفاصلها المريضة.
​كانت واقفة بتطبخ بنفسها.. لأنها عوزة تطبخ، مش لأن حد جبرها ولا أمرها!
​شريف جيه وجاب الطلبات ورتبها في المطبخ من غير ما حد يطلبه منه. التغيير ما جاش بوعود كلامية.. جيه بالاستمرار والتزام والمحاسبة والصبر.
​أنا في الآخر أمضيت ورق الطلاق..
كان لازم الجوازة القديمة والمريضة دي تنتهي تماماً قبل ما أي صفحة جديدة تبدأ.
​بعدها بست شهور، بدأت أنا وشريف نتقابل من جديد وببطء شديد..
نشرب قهوة سوا..
نخرج نتمشى مع عمر ومريم..
كل واحد في بيته وبحدود واضحة وصريحة.
ما كانش بيسألني أبداً “هنرجع لبعض امتى؟”.. وده كان السبب الرئيسي اللي خلاني أستمر في المقابلة.
​في عيد ميلاد أمي فاطمة، العيلة المعقدة دي كلها اتجمعت في البيت..
سامح جيه، ومريم جيت، وجمال جيه، والأستاذ توفيق جيه (والحمد لله ما كانش جايب معاه أي أظرف ولا عقود!).
​شريف قرب مني واداني سلسلة فضة صغيرة فيها أربع فصوص لولي حولين شجرة صغيرة..
“فص ليكي.. وفص لأمي فاطمة.. وفص لعمر.. وفص لمريم.”
​سألته: “وأنت؟”

ابتسم وقال: “أنا مش بطلب أكون موجود بشكل تلقائي.. أنا بحاول أستحق مكاني بس.”
ولأول مرة.. حسيت إنه فهم فعلاً.
​بعدها، الأستاذ توفيق اداني آخر جواب من أبويا الله يرحمه، كان كاتب فيه:
“العيلة مش باللي بيملكك، ولا باللي ولدك، ولا باللي اسمه جنب اسمك في البطاقة.. العيلة هي اللي بيحمي قلبك وبيصون كرامتك من غير ما يطلب يمتلكك.”
​بصيت من الشباك على الجنينة بره..
أمي فاطمة كانت بتضحك من قلبها مع أختها مريم.. وجمال كان بيعلم عمر يطير الطيارة الورق.. ومريم بنتي نايمة على كتف أمي فاطمة.. وشريف واقف قريب بيساعد ويضحك من غير ما يفرض نفسه.
​لسنين طويلة، الأسرار والكذب كانوا بيهدموا فينا..
بس الحقيقة في الآخر وسعت المكان لعيلة أكبر وأصدق.
​القصر والفيلا كانوا مجرد عقارات وفلوس..
والفلوس مجرد ورق..
لكن الميراث الحقيقي اللي طلعت بيه هو ده:
مفيش حد من حقه يملك حب حد تاني، ولا مجهوده، ولا صمته، ولا مسامحته، ولا مستقبله..
الحب اختيار.. والاحترام ممارسة يومية.. والبيت الحقيقي هو المكان اللي ما بتخافش فيه أبداً من الناس اللي عايشين معاك جوا.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *