حكايات محمد نور

قضيتُ سنوات طويلة وأنا أشرح مشاعري لأشخاص يستمعون فقط ليخبروني لماذا لا يحق لي أن أشعر بها!

ذهبتُ إلى العمل في ذلك اليوم. زملاء عملي ظنوا أنني في إجازة للتحضير للزفاف، لكنني طلبتُ قطع الإجازة. كنتُ بحاجة إلى أن أشغل نفسي.

عندما رأتني مديرة قسمي “ريما”، فتحت عينيها بذهول:

— “ماذا تفعلين هنا؟ ظننتُكِ غارقة في ترتيبات الورد والمقاعد!”

أجبتها ببرود: “إلغي الزفاف.”

وضعت فنجانها وقالت: “إلغي؟”

— “أنا من ألغيته.”

نظرت إليّ لثوانٍ ثم سألت: “هل تريدين التحدث؟”

هززتُ رأسي: “أريد أن أعمل.”

لم تضغط عليّ، ولم تسأل مجدداً. احترامها لصمتي أربكني، فطوال حياتي كان الجميع يتعاملون مع قدرتي على الاحتمال كدعوة لطلب المزيد مني! قبل الظهر وضعت كوب قهوة على طاولتي وقالت ببساطة: “إن احتجتِ شيئاً أنا هنا.”

كادت دموعي تسقط.. ليس بسبب القهوة، بل لأن هناك مَن يفعل شيئاً لأجلي دون أن يذكرني بكم يجب أن أكون ممتنة له لاحقاً!

أجريتُ اتصالات إلغاء القاعة، المصورة، المكياج، والورود. خسارة بعض المال كانت أقل إيلاماً بكثير من خسارة عشر سنوات أخرى من عمري.

بقي شيء واحد فقط.. أن أواجه أمير.

في الساعة السابعة مساءً أرسل لي أمير:

“مريم لا تزال حزينة بسبب جرح إصبعها، سآخذها للعشاء لترفه عن نفسها، وغداً نتحدث عن ترتيبات الزفاف.”

الجرح لم يكن يتعدى سنتيمتراً واحداً! لكنه كان يحتاج لمواساة ومرافقة طوال أربع وعشرين ساعة!

كتبتُ له: “حسناً.”

سألني: “هل أنتِ غاضبة؟”

أجبتُ: “لا.”

وهذه كانت الحقيقة.. الغضب انطفأ، وحلّ مكانه شيء أشد خطورة على أي علاقة: اللامبالاة.

كان أمير معتاداً على أن أجادل، أن أسأل، أن أحاول إفهامه، أن أقول “هذا يؤلمني”.. لأن استمراري في الشرح كان يعني أنني ما زلتُ أنتظر منه شيئاً. أما الآن، فلم أعد أنتظر أي شيء.

في اليوم التالي ذهبتُ إلى بيت أمي لأجمع بعض أشيائي.

وجدتها في المطبخ تراجع قائمة المدعوين، وقالت دون أن ترفع رأسها:

— “أخيراً ظهرتِ! نحتاج لتأكيد الطاولات، كما أن مريم تريد تغيير بعض الزهور لأن الورد الأبيض يبدو تقليدياً.”

وضعتُ مفاتيحي على الطاولة: “أمي..”

— “وأمير يرى أن نترك لمريم فرصة إلقاء كلمة، فهي مقربة منا منذ الصغر..”

— “أمي.. الزفاف أُلغي.”

تجمدت تعابير وجهها: “ماذا تقولين؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *