حكايات محمد نور

— “ألغيتُ الزفاف.”
— “لا تكوني سخيفة!”
— “لستُ سخيفة.. الأمر ليس بسبب الرحلة فحسب، أنا أنهي علاقة استمرت عشر سنوات لأنني اكتشفتُ أنني أحتل المرتبة الثانية دائماً.”
بدأتُ أعدّد لها:
— “هل تتذكرين حفل تخرجي من الجامعة؟ تأخر أمير ساعتين لأن مريم تشاجرت مع صديقها وكانت بحاجة للحديث معه!
في عيد ميلادي الثلاثين، حجزتُ في مطعم قبل ثلاثة أشهر، وغادر أمير قبل تقديم الحلوى لأن مريم شعرت بوعكة.. حرارتها كانت 37.5 درجة فقط!
يوم ترقيتي في العمل، وعدني بالاحتفال معي، ثم ألغى لأن مريم تشاجرت مع صديقتها!
عندما تُوفي جده كنتُ معه كل يوم، وعندما أجريتُ أنا عملية جراحية، بقي معي ساعتين فقط ثم غادر لأن مريم كانت بحاجة لمن يوصلها للمطار!
وحتى عندما اخترنا مكان الزفاف، اختار الحديقة لأن مريم تفضل الحدائق!”
ساد الصمت المطبخ.. قُلتُ لها ونبرتي ترتجف لأول مرة:
— “كل موقف بمفرده يبدو صغيراً يا أمي.. وهذه هي المشكلة! يظهر دائماً أصغر من أن يحق لي الشكوى منه، لكن الحياة تُبنى من التفاصيل الصغيرة. عندما كنا صغاراً، أُجبرتُ على التنازل عن قطتي الصغيرة لمريم لأنها فقدت والديها.. كنتُ في الحادية عشرة وبكيتُ أسبوعاً كاملاً، وقلتِ لي حينها كوني صبورة وتفهمي الظروف! صمتُّ لـ 25 سنة، فمن كان يتفهمني أنا؟”
في تلك اللحظة فُتح الباب ودخلت مريم برفقة أمير.
توقفا فور رؤيتي، وقالت مريم بالحماس نفسه: “خالتي، أحضرتُ كتالوجات الزهور!”
نظرتُ إلى أمير وقلتُ بوضوح: “ألغيتُ الزفاف.”
سقط الكتالوج من يده.
ضحك بسخرية وهو غير قادر على الاستيعاب: “توقفي عن المزاح!”
— “لستُ أمازحك.”
تلاشت ابتسامته وتحول لفضول مغلف بالاستفادة: “بسبب الرحلة؟ قلتُ لكِ كان بإمكانكِ أخذ الطائرة التالية!”
— “وهذه هي المشكلة بالضبط يا أمير.. كان يفترض أن تنتظرني، كانت رحلتنا نحن!”
دخلت مريم في نوبة بكاء مفاجئة: “سارة.. لم أكن أعلم أن الأمر سيغضبكِ، لم أرد أخذ شيء منكِ!”
أجبتها: “هذه هي المشكلة يا مريم.. أنتِ لا تحتاجين لأخذ شيء، هناك دائماً مَن يقدمه لكِ على طبق من ذهب!”
حاولت أمي التدخل بنبرتها القديمة: “سارة! كوني عاقلة ولا تجعليها تبكي!”
لكنني لم أصمت هذه المرة: “عندما كنا صغاراً كانت أمي تعطيكِ أشيائي، والان أمير يعطيكِ مكاني.. والجميع يتوقع مني أن أبتسم لأنكِ أنتِ!”





