حكايات محمد نور

تراجع أمير نحو مريم غريزياً ووضع يده على كتفها ليواسيها..

أنظرو! كنا نتحدث عن إلغاء زفافنا، وأنا خطيبته، لكن عندما بكت مريم، تحرك جسده نحوها قبل عقله!

أشرتُ بعيني إلى يده، فسحبها بسرعة، لكن بعد فوات الأوان.

سحبتُ خاتم خطوبتي من إصبعي ووضعته على الطاولة:

— “الآن يمكنكَ الاستمرار في رعاية أختكِ دون الحاجة للقلق بشأن زوجة تزعجكما.”

شحب وجهه وقال بذعر حقيقي: “سارة.. لا يمكنكِ إلغاء الزفاف هكذا! هناك مئات المدعوين، وعائلتي، والبيت الذي دفعنا عربونه!”

— “القاعة أُبلغت، والمدعوون سيتلقون الإلغاء، وسأنسحب من إجراءات البنك للبيت.. أفعالي لها عواقب يا أمير، عكس أفعالك.”

حاول استخدام كل كروته: المبالغة، التبرير، ثم ألقى كرت الحب: “أنا أحبكِ!”

نظرتُ إليه وقلت: “ربما.. لكنك لا تختارني أبداً. الحب يُقاس بما تفعله وأنا معك، لا بما تقوله عندما توشك على خسارتي.”

جمعتُ أشيائي وغادرت.

خلال الأيام التالية، انهمرت عليّ الاتصالات من الأقارب. بعضهم اتهمني بالجنون والغيرة من ابنة خالي! لكني أغلقتُ الهواتف وحظرتُ الكثيرين.. لم أكن بحاجة للدفاع عن قرار عانيتُ منه بمفردي.

لكن شخيصاً واحداً فاجأني.. جدي.

اتصل بي وسأل بصوته الهادئ: “هل ألغيتِ الزفاف؟”

— “نعم يا جدي.”

— “أحسنتِ عملًا.”

صُدمت: “أحسنتُ عملًا؟”

قال لي: “جدتكِ عاشت معي 46 عاماً، تشاجرنا كثيراً، لكن في كل مرة كانت تدخل فيها إلى الغرفة، كان الجميع يعلم أنها هي الأساس. لا تتزوجي شخصاً يجعلكِ تشعرين بأنكِ خفية ولا وجود لكِ.”

أغلقتُ الخط وبكيتُ لأول مرة من قلبي.. بكيتُ على تلك الطفلّة التي أمضت حياتها وهي تحاول أن تكون سهلة المراس لدرجة أنها قبلت أن تكون مُهمشة!

مرت الأشهر.. انتقلتُ للعمل في فرع الشركة بمدينة أخرى (سياتل)، وهناك عدتُ لكتشاف نفسي من جديد: “سارة” المستقلة، التي تأخذ قراراتها بنفسها، تقرأ، تسافر، وتقص شعرها كما تحب دون انتظار موافقة أحد.

بعد ستة أشهر، ظهر أمير فجأة أمام مقر عملي الجديد.

كان يبدو هزيلاً ومجهداً.. أخرج ملفاً قديماً فيه صورنا ورسائلنا من أيام المراهقة، ومشبك الشعر الأزرق الذي صنعه لي بيده قديماً.

قال لي بنبرة صادقة لأول مرة:

— “لم آتِ لأعيدكِ.. بل لأعتذر. طوال أشهر ظننتُ أنكِ بالغتِ، لكنني بدأتُ أتذكر.. عيد ميلادك، ترقيتك، جراحتك، المعرض، والرحلة. أدركتُ أنني بنيتُ علاقة قائمة على وجود شخص ينتظر دائماً في الممر الخلفي. أنا آسف يا سارة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *