عابث في الظلام ل شروق مصطفى

​لا، يا ظافر.. كفاية! هلكتنا معاك.. سيبهم يعيشوا كفاية!

​تشتت تركيز ظافر للحظة واحدة تحت وطأة هذا الصراع الداخلي العنيف، وهي اللحظة التي كان ينتظرها قاسم بفارغ الصبر. أشار قاسم بإشارة قاطعة وخاطفة لحرسته المدربة، لتنطلق عناصر القوات الخاصة كالسهم نحوهم. في أقل من ثانية، انقض أحدهم على يد ظافر وأطاح بالسلاح بعيداً بضربة محترفة، بينما جذبت قوة أخرى نور وابنتها بسرعة وأبعدتهما عن دائرة الخطر إلى بر الأمان.

​سقط ظافر على ركبتيه وسط الصراخ والتخبط، وهو يعتصر رأسه بقوة جنونية كأنه يحاول تمزيق جمجمته ليهرب من الأصوات المتصارعة بداخله، حتى قيّده رجال قاسم بالحديد وأحكموا السيطرة عليه نهائيا لتسليمه.
​ساد صمت ثقيل ومحمل بعبق النهاية في أرجاء الفيلا المظلمة. تقدم قاسم بخطوات ثابتة وثقيلة نحو المكان الذي تقف فيه نور وهي تضم ابنتها بدموع الانهيار والحمد، ومد يده ليربت على كتفها بهدوء حازم:
​”اطمني يا نور.. الكابوس خلص للأبد، ومحدش هيقدر يقربلك تاني.”

التفتت نور إليه بدموع تملأ عينيها، ونبرة متقطعة يغلبها الارتجاف والامتنان الشديد:
​”شكرا يا قاسم.. لولاك، مكنتش عارفة هصل لفين، ولا بنتي كانت هتبقى فين دلوقتي..

​ابتسم قاسم بمهادنة وخفة، وبدت على ملامحه أمارات الارتياح بعد أن انجلى غبار المعركة، ليهز رأسه بهدوء وهو ينظر إلى الطفلة النائمة في حضنها:
​”ماتشكرنيش على واجب يا نور.. أنا بس صلحت غلطة قديمة سيبت فيها الحق للظلم فترة أطول من اللازم. المهم إنكم دلوقتي في أمان تام.

​وفي تلك اللحظة، كان رجال الأمن قد انتهوا من رفع ظافر عن الأرض، مصفدا بالقيود الحديدية وهو يهذي بكلمات غير مفهومة، ويصارع نفسه وأصوات جنونه الداخلي التي أنهكت كيانه قبل أن تكسره القيود. جروه بخطوات متثاقلة نحو الخارج، ليتلاشى صدى صرخاته الهستيرية تدريجياً مع إغلاق باب الفيلا الأخير على ذلك الكابوس المظلم.

​التفت قاسم برأسه نحو الحرس وأعطى إشاراته الحاسمة لتأمين المكان بالكامل ونقل بقية الأدلة، ثم نظر إلى نور مجددا وقال بنبرة هادئة ودافئة:
​يلا بينا.. العربية بره جاهزة، هخدك لمكان أمان.

​هزت رأسها برفض قاطع، وما زالت الدموع تبلل وجهها بينما تضم ابنتها بحماية، وقالت بصوت خافت ومتحشرج:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *