حكايات زيزي

اتحرك ناحية الباب.
سامح وقف قدامه.
مش هتخرج.
عمي بصله وقال
إنت مش فاهم حاجة.
سامح رد
يمكن… بس المرة دي مش هنسكت.
وبينما عمي واقف قدام الباب، مريم قربت مني.
مدت إيدها، وفيها ورقة صغيرة.
قالت
دي آخر ورقة.
بصيت لها.
إيه دي؟
قالت
الورقة اللي تثبت ليه اختاروا أنا بالذات.
فتحتها.
وكان فيها اسم واحد…
اسم جعلني أشعر إن السر لسه أعمق بكتير مما كنت متخيل بصيت للاسم المكتوب على الورقة، وفضلت ثواني مش قادر أستوعب.
الاسم كان
مريم حسن عبدالسلام.
اسم مريم بالكامل.
رفعت عيني لها.
إيه علاقة اسمك بالموضوع؟
قالت وهي بتبص للورقة
بص تحت الاسم.
نزلت عيني.
كان فيه رقم ملف قديم، وتاريخ يرجع لسنين قبل ما أعرفها أصلًا.
سامح قرب مني.
ده ملف المستشفى؟
مريم هزت راسها.
أيوه… بس مش ملف مرض.
سألتها
أمال ملف إيه؟
مريم بلعت ريقها.
ملف تبنّي.
اتجمدت.
تبنّي؟
أبويا بص للأرض.
وعمي لأول مرة بان عليه الخوف الحقيقي.
بصيت لمريم.
إنتِ… متبنّية؟
هزت راسها ببطء.
أنا طول عمري كنت فاكرة إن أهلي الحقيقيين هم اللي ربوني.
ثم أشارت للورقة.
لكن قبل ما نتجوز بسنة، اكتشفت إن شهادة ميلادي فيها بيانات مختلفة عن البيانات الموجودة في ملف المستشفى.
قلت
ومين أهلك الحقيقيين؟
مريم بدأت تبكي.
معرفش.
سامح بص لأبويا.
إنت كنت تعرف؟
أبويا ما ردش.
صرخت
بابا!
رفع عينه ناحيتي.
وقال
أيوه.
حسيت إن الأرض بتتحرك تحت رجلي.
إنت كنت تعرف إن مريم مش بنت أهلها؟
قال
عرفت بعد جوازكم.
مريم بصت له
وليه مخبيت؟
أبويا قال
لأن لما عرفت اسم والدك الحقيقي… فهمت إن الموضوع أخطر من مجرد تبنّي.
سألت
مين أبوها؟
عمي فؤاد اتحرك فجأة ناحية الباب.
سامح وقف قدامه.
إنت هتفضل هنا.
عمي بص لأبويا.
قول له.
أبويا غمض عينه للحظة.
ثم قال
والد مريم الحقيقي كان شخصًا أعرفه من زمان.
مريم همست
مين؟
أبويا ما ردش.
بصيت له
مين؟
قال بصوت خافت
كان شريكي في مشروع قديم.
سامح سأله
واختفى إزاي؟
أبويا سكت.
عمي قال فجأة
مش اختفى.
لفينا كلنا ناحيته.
مات.
مريم شهقت.
مات؟
عمي أكمل
وموته كان له علاقة بالملف اللي أنتم بتدوروا عليه.
الدكتور سامي رفع رأسه بسرعة.
فؤاد… كفاية.
عمي بصله بغضب.
إنت عارف إن الحقيقة لازم تظهر.
مريم قربت مني.
أحمد… عشان كده كنت خايفة.
من إيه؟
قالت
لأن لو عرفت مين أبويا الحقيقي… هتعرف كمان مين كان السبب في موته.
سكت الجميع.
وفجأة سمعنا صوت سيارات الشرطة قدام العيادة.
عمي بص ناحية الباب.
ثم قال جملة خلتني أحس إن السر لسه أخطر
أبوك الحقيقي يا مريم… مش الشخص اللي مات.
مريم اتجمدت.
يعني إيه؟
عمي نظر لأبي.
وأبويا لم يستطع رفع عينيه.
ثم قال عمي
لأن الشخص اللي مات… كان أخو أبوك الحقيقي.
مريم شهقت.
وأنا بصيت لأبويا.
لأول مرة فهمت إن أبويا كان عارف أكتر بكتير مما قاله لنا فضلت باصص لأبويا، ومش قادر أصدق اللي سمعته.
قلت
يعني إيه أخو أبوها؟
أبويا ما ردش.
مريم قربت منه وهي بتترعش
عمو… أنا عايزة أعرف الحقيقة.
أبويا رفع عينه ليها، وكان واضح عليه إنه وصل لآخر طاقته من السكوت.
مريم… اللي اتقالك عن أهلك طول السنين دي كان ناقص.
سألته
ناقص إزاي؟
قال
والدك الحقيقي كان عايش وقت ما إنتِ اتولدتِ.
مريم حطت إيدها على بوقها.
طب مين هو؟
أبويا بص ناحية عمي فؤاد.
عمي كان ساكت، لكن ملامحه اتغيرت.
قلت
بصلي يا بابا.
رفع عينه.
مين أبو مريم؟
قال بصوت منخفض
اسمه كان محمود.
مريم همست
محمود مين؟
أبويا قال
محمود عبدالسلام.
مريم اتراجعت خطوة.
ده اسم أبويا اللي مكتوب في شهادة الميلاد.
أبويا هز راسه.
أيوه.
بس إنت قلت إنه مات.
أنا قلت إن الشخص اللي مات كان محمود.
سكت لحظة.
لكن الحقيقة إن اللي مات… كان شخصًا تاني.
مريم بدأت تبكي.
إنت بتقول إيه؟
سامح تدخل
بابا، متلعبش بالكلام.
أبويا تنهد.
قبل سنين، حصل حادث كبير. كان فيه شخصين متشابهين جدًا في السن والشكل… محمود وأخوه.
بصيت لعمي.
وفؤاد كان يعرفهم الاتنين.
عمي قال بسرعة
كفاية.
بصيت له
لأ. مش كفاية.
وفجأة سمعنا صوت طرق شديد على باب العيادة.
الشرطة وصلت.
عمي حاول يتحرك، لكن سامح وقف قدامه.
دخل اثنان من رجال الشرطة، وبعدهم شخص من إدارة المستشفى.
واحد منهم قال
مين المسؤول هنا؟
الدكتور سامي تقدم.
أنا.
أحد رجال الشرطة أخرج ورقة.
عندنا بلاغ بخصوص تزوير ملفات طبية واختفاء مستندات.
بصيت لعمي.
وشه كان ثابت، لكن إيده كانت بتترعش.
مريم فجأة قالت
أنا عندي الدليل.
طلعت الفلاشة من جيبي.
كنت لسه محتفظ بيها.
قلت
بس التسجيل ناقص.
الدكتور سامي قال
مش ناقص بالكامل.
بصيت له.
يعني؟
قال
الجزء الأخير موجود عندي.
فتح حقيبته وأخرج فلاشة تانية.
كنت محتفظ بيها عشان لو حصل لي حاجة.
حطها في اللابتوب.
اشتغل التسجيل.
وسمعنا صوت مريم
أحمد. .. لو وصلت للجزء ده، يبقى لازم تعرف إن الشخص اللي زور التحاليل مش هو اللي بدأ الحكاية.
ثم سكتت.
وجاء صوت رجل آخر.
صوت لم أسمعه من قبل.
قال
لو عايزوا مريم تفضل بعيدة عن الموضوع، لازم أحمد يطلقها.
شهقت.
مريم بصتلي.
التسجيل أكمل
ولو رفض… هنكشف له الحقيقة عن أبوه.
التسجيل توقف.
بصيت لأبويا.
عن أبويا؟
أبويا غمض عينه.
مريم قربت منه.
إنت كنت عارف إنهم هيهددوا أحمد بالحقيقة؟
قال
أيوه.
طب الحقيقة إيه؟
أبويا سكت.
ثم نظر إليّ مباشرة.
وقال
أحمد… مريم مش هي الوحيدة اللي اتخبى عنها أصلها.
اتجمدت.
يعني إيه؟
أبويا مد إيده داخل جيبه، وطلع صورة قديمة جدًا.
مدها لي.
أخدتها.
الصورة كانت لثلاثة أشخاص واقفين جنب بعض.
واحد منهم أبويا.
والتاني عمي فؤاد.
أما الثالث…
فكان رجلًا يشبهني بشكل مخيف.
وعلى ظهر الصورة كان مكتوب
قبل ما تعرف مريم الحقيقة… لازم أحمد يعرف مين هو بصيت للصورة تاني، وقلبت ضهري للورقة.
نفس الجملة كانت مكتوبة بخط واضح
قبل ما تعرف مريم الحقيقة… لازم أحمد يعرف مين هو.
بصيت لأبويا.
مين الراجل ده؟
ما ردش.
بابا، أنا بسألك.
عمي فؤاد قال بسرعة
سيب الصورة.
بصيت له.
إنت خايف ليه؟
اتوتر.
أبويا أخد نفس عميق وقال
الراجل ده اسمه محمود.
مريم شهقت.
أبويا؟
أبويا هز راسه.
أيوه.
بصيت للصورة.
بس إنت قلت إن محمود مات.
قال
اللي مات كان محمود.
مريم قربت منه.
إنت بتتكلم بألغاز ليه؟
أبويا قال
لأن محمود كان عنده أخ توأم.
اتلفت ناحية عمي.
فؤاد؟
عمي قال
أيوه.
مريم بصت له بصدمة.
يعني عم أحمد… أخو أبويا؟
عمي سكت.
أبويا قال
وده السبب اللي خلى كل حاجة تتعقد.
سألت
إيه علاقة ده بالطلاق؟
أبويا بصلي.
لأن بعد ما مريم اكتشفت أصلها، عمي فؤاد خاف إنها تفتح ملف قديم.
مريم قالت
ملف والدّي؟
أيوه.
الدكتور سامي تدخل
وفي الملف كان فيه مستند يثبت إن محمود ما ماتش بالطريقة اللي اتقالت.
سكتُّ.
مات إزاي؟
الدكتور بص لعمي.
عمي قال
حادث.
سامح رد
حادث ولا حد رتبه؟
عمي ما ردش.
الشرطة كانت بتسمع كل كلمة.
أحد الضباط قال
هنحتاج كل المستندات دي.
مريم فجأة قربت من الصورة.
استنوا.
أشارت لشيء في خلفية الصورة.
اللافتة دي… أنا أعرف المكان ده.
بصيت.
كانت لافتة قديمة لعيادة طبية.
مريم قالت
دي أول عيادة اتعملت فيها تحاليلي.
الدكتور سامي هز رأسه.
مظبوط.
سألت
طب ليه أبويا كان هناك؟
أبويا قال
لأن محمود كان شريكي.
مريم بصت له.
وكان بيعمل إيه؟
سكت أبويا.
عمي قال
كان بيحاول يثبت إن فيه تلاعب في ملفات طبية.
مريم شهقت.
يعني كل ده بدأ من ملف طبي؟
أبويا هز رأسه.
وبسبب الملف ده، محمود مات.
سكت المكان كله.
بصيت لمريم.
كانت دموعها نازلة، لكن لأول مرة حسيت إنها مش بتبكي من الخوف.
كانت بتبكي لأنها أخيرًا قربت من الحقيقة.
قلت لها
مريم… أنا آسف.
بصتلي.
على إيه؟
إني صدقت إننا فشلنا.
ابتسمت وسط دموعها.
إحنا فعلًا فشلنا يا أحمد.
اتوجعت.
لكنها كملت
فشلنا في إننا نتكلم.
سكتُّ.
ثم مسكت إيدي.
بس لسه عندنا فرصة نعرف الحقيقة.
قبل ما أرد، أحد رجال الشرطة قال
في حاجة لازم تشوفوها.
كان ماسك ظرفًا صغيرًا وجده داخل مكتب العيادة.
فتح الظرف.
طلع منه مستند قديم.
أول ما شفته، حسيت إن الدم وقف في عروقي.
لأنه كان يحتوي على نتيجة تحليل وراثي تخصني أنا ومريم.
والتاريخ المكتوب عليه كان…
قبل زواجنا بشهر واحد مسكت الورقة بإيد مرتعشة.
تحليل وراثي ليا ولمريم؟ قبل جوازنا؟
الدكتور سامي أخذها وبص للتاريخ.
التحليل ده ماكانش موجود في ملف مريم.
بصيت لأبويا.
إنت كنت عارف عنه؟
هز راسه ببطء.
أيوه.
ليه ماقلتليش؟
لأن النتيجة كانت محتاجة تأكيد.
مريم قربت مني.
طب النتيجة بتقول إيه؟
الدكتور قرأ السطر الأخير، وسكت.
قلت
قول.
قال
التحليل بيشير إن مفيش علاقة وراثية مباشرة بين المشكلة اللي اتقالت لمريم وبين أحمد.
تنفست براحة، لكن الدكتور كمل
بس فيه ملاحظة تانية.
إيه؟
أشار لسطر صغير في أسفل الصفحة.
العينة اتسجلت تحت رقم مختلف عن رقم أحمد.
سامح قال
يعني العينة مش بتاعته؟
الدكتور هز راسه.
بالضبط.
بصيت لأبويا.
يعني حد حط عينة شخص تاني مكان عينتي؟
أبويا سكت.
عمي فؤاد بدأ يتراجع ناحية الباب.
الضابط لاحظ.
لو سمحت، خليك مكانك.
عمي وقف.
مريم كانت بتبص للورقة، وفجأة قالت
أنا فاكرة.
كلنا بصينا لها.
فاكرة إيه؟
قالت
اليوم اللي عملنا فيه التحليل.
بصيت لها.
إحنا فعلًا عملنا تحليل؟
هزت راسها.
أيوه، بس إنت نسيت.
حاولت أفتكر.
وفجأة رجعتلي صورة اليوم ده.
كنت رايح مع مريم للعيادة، وهي كانت مصرة نعمل فحوصات قبل الحمل.
لكن وقتها الدكتور قال إن التحليل اتأجل.
قلت
إحنا ماعملناش تحليل وراثي اليوم ده.
مريم فتحت عينيها.
أنا كمان افتكرت إننا ماعملناهوش.
الدكتور سامي قال
يبقى السؤال الحقيقي… مين استخدم اسمكم؟
ساد الصمت.
الضابط أخذ الورقة.
هنحقق في الموضوع.
لكن مريم فجأة قالت
استنى.
بصت للضابط.
فيه حاجة تانية.
طلعت من شنطتها صورة صغيرة.
لقيتها في بيتنا القديم.
مدتها له.
الصورة كانت لشخصين واقفين قدام نفس العيادة.
واحد منهم كان عمي فؤاد.
والتاني…
كان الدكتور سامي.
بصيت للدكتور بصدمة.
إنت كنت تعرف عمي من قبل؟
الدكتور ما أنكرش.
أيوه.
من إمتى؟
قال
قبل ما أعرف مريم أصلًا.
مريم سألت
طب ليه كنت بتتابع حالتي؟
الدكتور سكت لحظة.
ثم قال
لأن والدك طلب مني أتابعك لو حصل له أي حاجة.
مريم شهقت.
أبويا؟
هز رأسه.
أبوك كان عارف إن فيه ناس ممكن تحاول توصل لك.
بصيت لمريم.
يعني أبوكي كان عايش وهو عارف كل ده؟
الدكتور رد
أيوه.
مريم دموعها نزلت.
بس قالوا لي إنه مات.
الدكتور قال بهدوء
وده آخر سر لازم تعرفيه.
سكت لحظة.
ثم أخرج من جيبه ظرفًا قديمًا.
وقال
أنا كنت محتفظ بالرسالة دي من سنين.
مريم مدت إيدها.
فتحت الظرف.
قرأت أول سطر.
ثم رفعت عينيها للدكتور، ووشها اتغير تمامًا.
قلت
مكتوب إيه؟
مريم ما قدرتش تتكلم.
ناولَتني الورقة.
وقريت
ابنتي مريم… لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا لسه عايش خرجنا من العيادة، والشرطة قررت تتحرك معانا، لكن أبويا أصر ييجي بنفسه.
طول الطريق، مريم كانت ساكتة، ماسكة الرسالة القديمة في إيدها كأنها خايفة تضيع منها.
وصلنا للعنوان.
كان بيت صغير قديم في شارع هادي، والباب الخارجي مفتوح.
الضابط أشار لنا نستنى، ودخل الأول.
بعد ثواني نادى
المكان فاضي.
دخلنا.
الأثاث عليه تراب، لكن واضح إن حد كان موجود قريب.
على الترابيزة كان فيه كوب شاي لسه دافي.
مريم وقفت مكانها.
بابا كان هنا.
سامح أشار للكرسي.
بصوا.
كان فيه معطف رجالي متعلّق.
وفي جيبه ورقة.
مريم طلعتها بسرعة.
كانت رسالة قصيرة
مريم، لو وصلتي هنا، يبقى لازم تعرفي إن الشخص اللي كنتي خايفة منه مش فؤاد.
بصيت لعمي.
هو نفسه كان باين عليه الذهول.
كملت القراءة
فؤاد أخطأ، لكنه مش صاحب الخطة.
مريم سألت
أمال مين؟
قلبت الورقة.
كان فيه سطر أخير
دوري على الشخص اللي كان عنده وصول لكل تحاليلك من أول يوم.
الدكتور سامي اتغير وشه.
قلت
إنت؟
هز راسه.
أنا كنت براجع التحاليل، لكن مش أنا الوحيد اللي كان عنده وصول.
الضابط سأله
مين غيرك؟
الدكتور سكت.
سامح قال
إدارة المستشفى.
الدكتور هز رأسه.
وفيه شخص كان مسؤول عن الأرشيف الطبي وقتها.
مريم سألت
مين؟
الدكتور قال اسمًا.
وأول ما سمعته، حسيت إن الدنيا وقفت.
كان اسم صديق قديم ليا، شخص كنت بلجأ له وقت المشاكل، وكنت بحكيله كل حاجة عن حياتي أنا ومريم.
قلت
مستحيل.
الدكتور قال
هو اللي كان عنده صلاحية على الملفات.
مريم قربت مني.
أحمد… إنت كنت بتحكيله عن كل حاجة؟
هزيت راسي.
أيوه.
ثم افتكرت شيئًا.
قبل طلاقنا بأسبوع، اتصل بيا صاحبي وقال لي
لو بتحب مريم، لازم تبعد عنها.
وقتها افتكرت إنه بينصحني.
دلوقتي…
بدأت أفهم إن كلامه ماكانش نصيحة.
كان تهديدًا مقنعًا.
وفجأة موبايل سامح رن.
رد.
وبعد ثواني، وشه اتغير.
إيه؟
سكت.
ثم قال
إنت متأكد؟
قفل المكالمة.
بصيت له
في إيه؟
قال
الشرطة فتشت العيادة القديمة تاني.
ولقوا إيه؟
سامح بلع ريقه.
لقوا عربية متروكة جنب المكان.
عربية مين؟
بصلي وقال
عربية صاحبك.
اتجمدت.
وفي نفس اللحظة، وصلني على موبايلي تسجيل صوتي جديد.
صوت صاحبي.
وكان بيقول
أحمد… لو بتسمع الرسالة دي، يبقى مريم عرفت الحقيقة.
سكت لحظة.
ثم قال
بس فيه حاجة واحدة لسه محدش قالهالك.
بصيت لمريم.
الصوت أكمل
أنا مش اللي بدأت كل ده… أنا كنت مجرد واحد بيتنفذ له أوامر اتجمدت وأنا ماسك الورقة.
رجعت أقرا أول سطر تاني، كأني مستني الحروف تتغير.
ابنتي مريم… لو وصلتك الرسالة دي، يبقى أنا لسه عايش.
مريم حطت إيدها على صدرها.
بابا… عايش؟
الدكتور سامي هز راسه.
الرسالة دي اتكتبت من سنين، لكن أنا ماعرفتش أوصل له بعدها.
قلت
يعني ممكن يكون عايش لحد دلوقتي؟
ممكن.
مريم بدأت تبكي.
طب ليه محدش قالي؟
الدكتور بص لأبويا.
أبويا قال بصوت مكسور
لأني كنت فاكر إن ظهوره هيعرضكم للخطر.
مريم التفتت له.
إنت حرمتني من أبويا؟
كنت بحاول أحميكي.
بس أنا عشت عمري كله فاكرة إنه مات!
عمي فؤاد قال فجأة
محمود اختفى بإرادته.
بصينا له.
مريم قالت
إنت كنت تعرف إنه عايش؟
سكت.
رد!
قال
كنت أعرف إنه ممكن يكون عايش.
فين؟
ما ردش.
الضابط قرب منه.
لو عندك معلومات عن مكانه، لازم تقولها.
عمي ظل ساكت.
وفجأة موبايله رن.
كلنا بصينا للشاشة.
ظهر اسم
محمود.
مريم شهقت.
عمي حاول يقفل المكالمة.
لكن سامح أخد الموبايل من إيده.
ده هو؟
عمي ما ردش.
الموبايل رن تاني.
المرة دي أنا اللي ضغطت على الرد.
حطيت المكالمة على السماعة.
جاء صوت رجل كبير، هادي لكنه متعب
فؤاد… أنا عارف إن أحمد ومريم عندك.
مريم بدأت تبكي.
بابا؟
سكت الصوت ثواني.
ثم قال
مريم؟
حطت إيدها على بوقها.
بابا…
الصوت ارتجف.
أنا آسف.
إنت فين؟
في مكان بعيد… ومش هقدر أقول دلوقتي.
قلت
أنا أحمد.
سكت.
ثم قال
عارفك يا ابني.
اتصدمت.
إزاي؟
لأني كنت بتابع أخباركم من بعيد.
مريم قالت
ليه سبتني؟
الرجل تنهد.
لأني كنت بحاول أحميكي.
بصيت لأبويا.
كل واحد بيقول نفس الجملة.
الصوت قال
أحمد… لازم تسمعني كويس.
قول.
مريم اتطلقت منك عشان أنا طلبت من أبوك يخليها تبعد عنك.
مريم شهقت.
إنت؟
أيوه.
قلت بغضب
ليه؟
سكت لحظة.
ثم قال
لأن الشخص اللي كان بيلاحق مريم… ماكانش عايز يوصل لها هي.
قلبي انقبض.
أمال كان عايز يوصل لمين؟
قال
كان عايز يوصل ليك.
سكت الجميع.
ثم أضاف
والسبب الحقيقي… موجود في الملف اللي معاكم.
بصيت للظرف.
إيه السبب؟
لكن قبل ما يكمل، سمعنا صوت ارتطام قوي من الطرف الآخر.
مريم صرخت
بابا!
المكالمة انقطعت.
حاولنا نرجع نتصل.
الهاتف كان مغلقًا.
بصيت للضابط.
ثم لمريم.
وفجأة لاحظت شيئًا في آخر الرسالة القديمة.
كان فيه عنوان مكتوب بخط صغير جدًا.
مكان مخفي… في نفس المدينة.
رفعت الورقة وقلت
أنا عرفت هو فين.
مريم مسكت إيدي.
أحمد… لازم نروح له.
لكن الدكتور سامي هز رأسه بسرعة.
لأ.
بصيت له.
ليه؟
قال
لأن لو العنوان ده لسه صحيح… فالشخص اللي كان بيدور على الملف ممكن يكون عارفه برضه.
ثم نظر للباب.
وممكن يكون سبقنا إليه بالفعل فضلت ماسك الموبايل، وصوت صاحبي لسه بيرن في ودني.
مجرد واحد بيتنفذ له أوامر…
بصيت لسامح.
يعني مين اللي كان بيديه الأوامر؟
التسجيل كمل
الشخص ده عمره ما ظهر قدامك، لكنك قابلته أكتر من مرة من غير ما تعرفه.
مريم قربت مني.
كمّل.
الصوت قال
هو كان عارف كل تفاصيل جوازك من أول يوم… وكان عارف عن تحاليل مريم، وعن الحملين، وحتى عن قرار الطلاق قبل ما إنت نفسك تاخده.
حسيت بقشعريرة.
إزاي؟
الصوت كمل
لأن فيه حد كان بينقل له كل حاجة.
التسجيل اتقطع لثواني، وبعدها رجع الصوت
وأنا عرفت الحقيقة متأخر… لما حاولت أوقف الموضوع، هددوني.
سامح قال
هددوك بإيه؟
كأن صاحبي سمع السؤال، رغم إنه تسجيل، وجاء الرد
قالولي لو اتكلمت، أحمد هيعرف إن الشخص اللي كان بيحرك كل حاجة… موجود في عيلته.
اتلفتُّ ناحية أبويا وعمي.
الاتنين كانوا ساكتين.
قلت
يعني واحد منكم؟
أبويا قال بسرعة
مش أنا.
عمي رد
ولا أنا.
مريم كانت بتبص لهم، وبعدين قالت
فيه شخص تالت.
بصيت لها.
مين؟
قالت
الشخص اللي كان دايمًا يدخل بيتنا من غير ما نستأذنه.
حاولت أفتكر.
أول اسم جه في بالي كان…
خالي حسن.
لكن مريم هزت راسها.
لأ.
أمال مين؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت
الشخص اللي كان عنده نسخة من مفتاح بيتنا.
اتسعت عيني.
فجأة افتكرت حاجة قديمة جدًا.
قبل الطلاق بشهر، مريم كانت سألتني
إنت اديت مفتاح البيت لمين؟
وقتها كنت ضحكت وقلت لها
محدش.
لكن كان فيه شخص واحد فعلًا كان معاه مفتاح احتياطي.
شخص كنت واثق فيه لدرجة إني ما كنتش بفكر فيه أصلًا.
قلت بصوت منخفض
البواب القديم.
سامح قال
إيه علاقة البواب؟
هزيت راسي.
مش البواب… الشخص اللي كان بيطلب منه المفتاح.
مريم فهمت فجأة.
صاحب العقار.
أبويا قال
إنت متأكد؟
قلت
مش متأكد… لكن عندي دليل.
طلعت موبايلي وفتحت صور قديمة من وقت جوازنا.
كنت بصور البيت يوم نقلنا منه.
في واحدة من الصور ظهر شخص واقف بعيد عند باب الشقة.
كبرت الصورة.
مريم قربت منها.
وفجأة وشها شحب.
أحمد…
إيه؟
أشارت للشخص.
أنا شفته قبل كده.
فين؟
قالت بصوت مرتعش
في المستشفى… يوم ما فقدنا الحمل التاني.
سكتُّ.
ثم سألتها
كان بيعمل إيه هناك؟
مريم هزت راسها.
كان واقف جنب غرفة التحاليل.
الدكتور سامي فجأة قال
يبقى لازم نرجع للمستشفى.
الضابط سأله
ليه؟
الدكتور رد
لأن لو الشخص ده كان موجود وقتها، ممكن يكون اسمه موجود في سجل الدخول.
بصيت لمريم.
كانت ماسكة إيدي.
لكن قبل ما نتحرك، وصلني اتصال جديد.
رقم مجهول.
رديت.
مافيش صوت.
فقط نفسٌ هادئ.
ثم جاء صوت رجل وقال
أحمد… لو عايز مريم تعيش بأمان، متحاولش تعرف اسمي.
قلت
أنا هعرفك.
ضحك.
المشكلة إنك عرفتني فعلًا… بس لسه مش فاكر.
ثم أغلق الخط.
وبعد ثواني، وصلتني صورة جديدة.
فتحتها.
كانت صورة قديمة من يوم فرحي أنا ومريم.
وفي خلفية الصورة…
كان واقف نفس الرجل.
لكن المفاجأة كانت في الشخص الواقف بجانبه.
كان أبويا فضلت باصص للصورة، وبعدين رفعت عيني لأبويا.
إنت كنت تعرفه؟
أبويا سكت طويلًا، وبعدها قال
أيوه.
مريم قربت منه.
مين هو؟
أبويا رد بصوت مكسور
اسمه عادل. كان شريكي في المشروع القديم مع والدك.
سكت لحظة.
لكن بعد وفاة محمود، اختفى عادل ومعاه جزء من المستندات.
الدكتور سامي قال
وعادل هو الشخص اللي كان بيحاول يسيطر على الملفات من البداية.
بصيت لأبويا.
وليه ساعدته؟
هز راسه.
أنا ما ساعدتوش. حاولت أوقفه، لكني خفت. خفت لو الحقيقة ظهرت، مريم تتأذى.
مريم قالت
وأنا دفعت تمن خوفك.
أبويا نزل رأسه.
أنا آسف.
الشرطة بدأت تراجع كل المستندات، وبعد أيام ظهرت الحقيقة كاملة.
التحاليل القديمة فعلًا كانت متلاعبًا بها، ومريم لم تكن السبب في فقدان الحملين كما ظلت تظن لسنوات.
والدكتور سامي كان قد اكتشف التلاعب وحاول إصلاحه، بينما عادل استغل خوف العائلة وهدد أكثر من شخص حتى يظل الملف مخفيًا.
أما والد مريم، فكان حيًا فعلًا، وظهر بعد سنوات من الاختفاء، وساعد في تقديم المستندات التي كانت تثبت الحقيقة.
لكن أكتر حاجة كسرتني…
كانت مريم.
لما رجعت من المستشفى بعد بداية العلاج، وقفت قدام باب شقتي.
قلت لها
مريم… أنا عارف إني مفيش كلام يقدر يرجع الشهرين اللي ضاعوا، ولا

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *