قصة جديدة ج١
التفتت ندى بجزع إلى كريم، الذي استيقظ على صوت أمه وصراخ زوجته. كانت تتوقع منه أن ينتفض، أن يغضب لانتهاك خصوصية غرفتهما في ليلتهما الأولى، أن يقول لأمه بلهجته الصارمة التي طالما استخدمها مع ندى: “يا أمي دي أوضتنا وميصحش كدة”.
لكن الصدمة الحقيقية كانت في رد فعله الذي نزل على رأس ندى كالمطرقة.اعتدل كريم في فراشه، وفرك عينيه بهدوء، ثم التفت إلى زوجته المذعورة وقال بنبرة هادئة ومستسلمة تماماً:”جرى إيه يا ندى؟ دي أمي برضه ومقامها كبير.. معلش استحملي وجاريها، أصلها مبسوطة بيكي أوي وعايزاكي وسطنا من أول يوم.. انزلي معاها ومتزعليهاش.”
نزلت الكلمات على مسامع ندى كالصاعقة. أين ذهبت تلك الشخصية المسيطرة؟ أين ذهب الرجل الذي كان يقيم الدنيا ولا يقعدها إذا تأخرت في الرد على الهاتف لدقائق؟ اتضح أن كل تلك السيطرة كانت قناعاً يرتديه أمامها فقط، أما أمام أمه، فهو مجرد طفل مطيع لا يملك من أمره شيئاً.
أجبرت ندى نفسها على النهوض، وارتدت ملابس مناسبة، ونزلت خلف السيدة إجلال إلى الطابق الأرضي، حيث تعيش الحماة.
ومنذ ذلك اليوم الشؤم، تحولت حياة ندى إلى نمط ثابت وقاسٍ لا يرحم. أصبحت الساعة السابعة صباحاً هي الميقات المقدس الذي لا يمكن تجاوزه.
تستيقظ يومياً، تاركة غرفتها وشقتها، لتنزل إلى الأسفل وتبدأ رحلة الشقاء.تنظيف، طبخ، غسيل، وتلبية طلبات السيدة إجلال التي لا تنتهي.
الغريب والقاتل لروح ندى، أنه حتى في الأيام التي لا يوجد فيها عمل حقيقي، أو طعام يحتاج إلى جهد، كانت السيدة إجلال تجبرها على الجلوس أسفل قدميها في الصالة الأرضية.
كان يُحظر عليها تماماً الصعود إلى شقتها أو الاستراحة في غرفتها قبل المساء.
كانت حماتها تقول لها بنبرة خبيثة:”تقعدي هنا تحت عيني.. مفيش حاجة اسمها تطلعي فوق تقعدي لوحدك، بيت العيلة يعني كلنا مع بعض، وإلا تبقي مش عايزانا.”
مر شهر كامل على هذا الوضع، وندى تشعر بحسرة تأكل قلبها. تذكرت جدتها المريضة، الشخص الوحيد المتبقي لها في هذه الدنيا، والتي كانت تتصل بها باكية، لكن ندى كانت تخفي عنها حقيقة عذابها حتى لا تزيد من مرضها، فجدتها امرأة مسنة وعاجزة عن مواجهة عائلة كريم المستبدة.وفي أحد الأيام، بعد أن بلغت القسوة مداها، صعدت ندى إلى شقتها ليلاً، ووجدت كريم يجلس يشاهد التلفاز باسترخاء.


