قصة جديدة ج١

فزع كريم من تهديد أمه بالرحيل والغضب، وظهر عليه العجز التام، ولم يفكر حتى في الدفاع عن زوجته أو اقتراح الذهاب للطبيب للاطمئنان، بل استسلم كالعادة لسطوة أمه المطلقة.

صعد كريم إلى شقته وهو يحمل ملامح واجمة وعاصفة من الأفكار تلتهم عقله.دخل الشقة ووجد ندى تجلس في الصالة تبكي بصمت بعد إهانة أمه لها.

وقف أمامها وقال بنبرة جافة يحاول تصنع الحزم فيها:”اسمعي يا ندى.. أمي فتحت معايا موضوع الخلف اليومين دول، وزي ما أنتِ عارفة هي ملهاش غيري ونفسها تشوف عيالي قبل ما تموت.. ومن الآخر كدة، هي عايزاني أتجوز ‘عبير’ بنت خالتي عشان تخلف لي، وأنا مش هقدر أكسر كلمتها ولا أزعلها.”

انتفضت ندى من مكانها وكأن عقرباً قد لدغها، واتسعت عيناها بذهول يعتصره الألم والرفض، وقالت بصوت قوي جهوري هز جدران الشقة:”تتجوز عليا؟! وعشان إيه؟ عشان ملناش غير كام شهر متجوزين؟! أنت إيه يا أخي معندكش دم ولا إحساس؟ بتبيعني بالسهولة دي عشان ترضي أمك الظالمة؟ أنا مش هقبل الإهانة دي أبداً، ولو فكرت تعملها، طلقني فوراً! طلقني وسيبني أمشي من الجحيم ده!”

ارتبك كريم من رد فعلها القوي وغير المتوقع، ورأى في عينيها نظرة تحدٍ وكبرياء لم يعهدها منها من قبل، وشعر بخوف حقيقي من أن تتركه وتفضح أمره أمام الجميع، فما زال في قلبه بقايا حب وتملك تجاهها.
امسك بذراعيها وحاول تهدئتها وقال بنبرة متوسلة متراجعة:”اهدئي بس يا ندى وصوتك ميعلاش.. طلاق إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنا مقدرش أستغنى عنك ومحبش أخسرك.. اسمعي، أنا هطلعك فوق ومش هخليكِ تنزلي تحت تاني أبداً، واقعدي في شقتك براحتك ومحدش هيدخل هنا.. أنا هحاول مع أمي وأقنعها بالراحة وأهدي الأمور من غير مشاكل.. بس بلاش سيرة الطلاق دي.”

صدقته ندى لشدة قهرها، وظنت أن زوجها استيقظت رجولته أخيراً وسيحميها.
وبالفعل، مرت ثلاثة أيام وندى ملتزمة بشقتها لا تنزل إلى الطابق الأرضي، تحاول استعادة أنفاسها وكرامتها المهدورة. ولكن هذا الهدوء لم يكن إلا الهدوء الذي يسبق العاصفة المدوية.

في المساء، نزل كريم إلى أسفل بحجة التحدث مع أمه وإقناعها بالعدول عن فكرة الزواج.
جلست السيدة إجلال في صالتها، وما إن رأت ابنها حتى بدأت بوضع شروطها الصارمة، مستغلة نقطة ضعفه الكبرى وهي طاعته العمياء لها خوفاً من عقابها النفسي عليه.
قالت له إجلال بنبرة حاسمة لا تقبل الجدال:”اسمع يا كريم.. البت فوق مبقتش تنزل وتتأمر علينا، وأنا كلمتي مش هتنزل الأرض.. المأذون زمانه جاي في السكة، و’عبير’ وأمها مستنيين في الصالون جوه.. هتتجوز يعني هتتجوز الليلة دي، وتكسر مناخير المسهوكة اللي فوق دي، وتعرفها إن البيت ده ملوش غير مَلكة واحدة وهي أنا.. يلا ادخل وافق واكتب كتابك ورجع لي هيبتي.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *