طليقي

“كل حاجة كانت هتتغير، بس ده مش معناه إننا كنا هنقدر نكمل مع بعض.”
​هز رأسه بموافقة لأن الحقيقتين دول ينفع يكونوا موجودين مع بعض. هدى هانم ومجدي استغلوا انفصالنا، بس هما ما خلقوش جفاء آسر العاطفي، ولا خوفي، ولا الشك اللي خلى تدخلهم ده يبقى حاسم وينهي كل حاجة.
​”فتكري ممكن نحاول نرجع في يوم من الأيام؟”
​بصيت برة الشباك، كانت جودي بتخلي سواق آسر يحكم في مسابقة رسم بالطباشير بينما يوسف بيتخانق وبيقول إنه بيطنش القواعد الرسمية.
​”أنا مصدقة إنك تقدر تبقى باباهم يا آسر. بس مش شايفه إن رجوعك كجوزي هيكون حاجة صحية لينا إحنا الاثنين.”
​الجع كان باين على وشه، بس تقبل الحد ده من غير ما يحاول يفاوض أو يجادل فيه.
“يبقى هفضل ممتن لأي شكل من أشكال العلاقة اللي هترضى بيها.”
​على آخر السنة دي، آسر كان رجع لشركة الراوي تحت إشراف مجلس إدارة مستقل. وحط قوانين وصارمات بتمنع أي حد من العيلة أو المديرين إنه يتحكم في الاتصالات الشخصية، أو الترتيبات الطبية، أو الأمور القانونية الخاصة بالإدارة التنفيذية.
​الإصلاحات دي ما كانتش هترجع سبع أعياد ميلاد، ولا أول كلمات اتقالت، ولا سخونية أنصاف الليالي، ولا اللحظة اللي يوسف اتعلم فيها يركب العجلة. لكن الندم بقى ليه قيمة لما آسر بطل يستغله عشان يطلب المغفرة، وبدأ يستغله عشان يغير طريقة تصرفاته.
​العيال مع الوقت بدأوا ينادوه “بابا”، بس محدش فيهم قالها عشان حد فرضها عليه. جودي قالت الكلمة دي بالصدفة بعد حفلة البيانو، ويوسف بدأ يقولها عادي وهو بيلعب كورة بعد كم أسبوع.
​آسر عمره ما جاب سيرة اللحظتين دول في العلن. كان ببساطة بيروح بيته بالليل ويعيط في السكات في مكان العيال ما يحسوش فيه إنهم مسئولين يواسوه.

​في بعد ظهر يوم خريفي، رجعنا لنفس المطعم المطل على النيل اللي كل حاجة اتكشفت فيه. المدير قعدنا على نفس الترابيزة، بس المرة دي آسر جه لوحده واستنى لحد ما جودي ويوسف عزماه يقعد معاهم.
​يوسف طلب كيكة شوكولاتة، وجودي فضلت مصرة إن الحشو بتاع الفراولة يعتبر فاكهة. آسر اختلف معاهم هما الاثنين لمجرد الهزار، ومناقشتهم بقت صوتها عالٍ لدرجة خلت الناس في الترابيزات اللي حوالينا يبتسموا.
​بصيت للتكشيرة المشتركة بين حواجبهم التلاتة وحسيت بوجع جنب حاجة ثانية فيها سلام نادراً ما بييجي.
​المؤامرة غيرت شكل ماضينا، بس ما مسحتش الاختيارات اللي آسر وأنا عملناها جوه الماضي ده. الحقيقة قدمت تفسير بس ما ديتش براءة أوتوماتيكية، والدم خلى فيه مسئولية بس ما ضمنش القرب والود.
​لما آسر خد باله إني ببص له، بص لي بنظرة فيها سؤال:
“بتفكري هل رجوعنا هنا كان غلطة؟”
“أنا استوعبت إن الترابيزة دي ما بقتش ملك لأوحش حاجة حصلت جوه المطعم ده.”
​جودي مدّت إيدها عبر الترابيزة وخطفت حتة من الحلو بتاعه. يوسف اعترض لأنه كان مجهز يخطف نفس الحتة، وآسر ساب الطبق كله باستسلام ومرح.
​من سبع سنين، كبار ونفوس مريضة اتعاملوا مع طفلين لسة ما اتولدوش كأنهم عقبة قدام فلوس، وسمعة، وسيطرة. وبعد سبع سنين، نفس الطفلين دول قاعدين في نص الترابيزة، بيقاطعوا كل كلام جاد، وهما اللي بيحددوا السرعة والخطوة اللي بياخدها أابوهم عشان يدخل حياتهم.
​آسر كان فاكر زمان إن الفلوس بتمكنه يتوقع المجهول ويتحكم فيه. وأنا كنت فاكرة زمان إن السكوت هيحمي ولادي من الرفض. إحنا الاثنين كنا غلطانين، بس أخطاؤنا ما بقتش ليها السيطرة الكاملة على اللي جاي بعد كده.
​رسمة الكوبري اللي مش كامل فضلت متبرزة جوه مكتب آسر، محطوطة فوق عقود بمليارات الجنيهات. ولما كان حد بيسأله ليه رسمة أطفال زي دي محطوطة في أهم حيطة في المكتب، كان بيدي التفسير الوحيد اللي يفرق:
​”لأن كل حاجة ليها قيمة في الناحية بتاعتي بتعتمد على إذا كنت هبقى أهل للثقة عشان أكمل الكوبري ده ولا لأ.”
​تمت

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *