حكايات رولا

وشها اتغير تماماً والألوان طارت منه.
— إحنا مش بنتكلم عني دلوقتي!
قامت وقفت، وقبل ما تخرج قربت مني وقالت بتهديد:
— لو كملت في السكة دي، هشام هيخليك عمرك ما تشوف سلمى تاني في حياتك.
— يبقى يحاول ويورينا شطارته.
بعد يومين، اللجة ونظام الحماية النزلوا يعملوا المعاينة المفاجئة لبيت هشام. واللي اكتشفوه كان أوحش بكثير من اللي تخيلته.
دواليب المطبخ كلها كانت متقفلة بأقفال بأرقام سرية… كلها، ما عدا ضلفة واحدة بس كان فيها كيس علبة سيريال وكام باكو بسكويت.
باب أوضة سلمى كان يركب فيه ترباس حديد كبير من برة، حتي الورقة والاتيكيت بتاع المحل اللي اشتراه منه كان لسه ملزوق عليه.
أوضتها كان فيها سرير ومكتب وشوية كتب. مفيش ألعاب… مفيش دولاب هدوم واضح… مفيش صور. كان شكلها زي أوضة حد مستعد يمشي في أي لحظة.
التقرير الطبي أثبت إن وزن سلمى أقل بكثير من الوزن الطبيعي لسنها، وعندها نقص في الحديد وفييتامين د.
وبعدها شهادة “كابتن/أستاذة إيمان” مدرستها في المدرسة.
بقاله أسابيع بتشوف سلمى بتخبى بسكويت في جيوب المريلة بتاعة المدرسة.
— افتكرت إنها بتبقى جعانة عشان ما بتحبش أكل البيت —المدرسة شرحت— بس بعد كده اكتشفت إن الشنطة ولانش بوكس كتير بيجوا فاضيين أساساً.
المدرسة كانت عملت بلاغ واستدعاء ولي أمر قبل كده، وهشام رد عليهم في المدرسة إن سلمى “بتحب تعمل دراما” وبتألف قصص عشان تلم اللقطة والانتباه.
الأخصائي النفسي في المدرسة كان عامل تقرير هو كمان، وهشام كان عارف بالتقرير ده. وده يثبت إنه كان مدرك وعارف.
هشام جاب محامي كبير ورد بسرعة. حجتهم كانت إنني راجل أرمل، عايش لوحدي، بعيد عن العيلة، وعند عقده نفسية عاوز أحول أي أسلوب تربية حازم لجرائم وبلاغات.
حتى إنهم ألمحوا إن العلامة والكدمة اللي في دراعها ممكن تكون حصلت وهي عندي في البيت في المعادي!
بس التواريخ والتقرير الطبي المكتوب كذبهم. المحامية جابت تقرير طبي شرعي من الصور، وأثبت إن لون الكدمة وتغير الطبقات بيأكد إنها حصلت قبل ما تجيلي البيت بفترة.
وبعدين ظهرت واحدة جارتهم في العمارة.
افتكرت إنها شافت سلمى قبل كده قاعد برة شقتها على السلم، لوحدها بعد الساعة تسعة بالليل، والبنت بتحاول تفتح الباب مراراً وتكراراً. لحد ما حد فتح لها من جوه ودخلت بسرعة.
— افتكرت أبوها بيكدرها أو بيريبيها —الست قالت— دلوقتي بتمنى لو كنت دخلت وسألت وقتها.
بس الاكتشاف الأصعب كان تقرير التغذية.
مؤشرات النمو بتقول إن نقص التغذية الحاد ده مش حاجة جديدة… ده بقاله من سنة لسنة ونص.
سلمى كان عندها تمان سنين بس!
لما قرأت التقرير ده، قفلت الملف ومش قادر أتنفس. طول حياتي العملية عالجت أطفال مضروبين أو معذورين بسبب حوادث أو إهمال أو أمراض… عمر ما تخيلت إنني هكتب تقرير وأوثق فيه قسوة أخويا نفسه على بنته.
هشام ما كلمنيش لأسابيع. لحد ليلة الجلسة.
رديت على التليفون وأنا متوقع شتايم وزعيق. بس سمعت حاجة تانية خالص.
— أرثر… قصدي يا أحمد… (هشام)
صوته كان مكسور ومخنوق.
— أنا بروح لدكتور نفسي.
ما ردتش، فضلت ساكت.
— الدكتور طلب مني أكتب كل القواعد والتعليمات اللي فرضها على سلمى وليه بحطها.
أخد نفسه بالعافية.
— كتبت أربع صفحات.
فضل ساكت فترة طويلة لدرجة افتكرت الخط قطع.
— وبعدين؟
— كل سبب وكل جملة كتبتهم… كانوا كلام بابا بالنص.
مسكت التليفون بقوة.
أبونا… الراجل اللي كان يقعدنا قدام طبق فاضي لو جبنا درجات وحشة. الراجل اللي كان يقفل علينا الأوضة بالمفتاح لو اعتبر إننا “قللنا أدبنا”. الراجل اللي هشام طول عمره بيحلف إنه عمره ما هيكون شبهه.
— أنا ما حسيتش بنفسي يا أحمد… ما أخدتش بالي.
— بس سلمى حست.
بدأ يعيط بالصوت.





