حكايات رولا

— عارف يا حبيبتي.
— طب بتنام ليه؟
— عشان لما تصحي وتفتحي عينيكي تعرفي إنك مش لوحدك.
فكرت شوية وقالت: “ماشي”، ونامت.
في نوفمبر، نادية كلمتني وقالت إن هشام مواظب على العلاج النفسي وبرنامج التربية وما فوتش جلسة واحدة، وطالب زيارة لسلمى تحت الإشراف.
سألت سلمى: “بابا عاوز يشوفك، تحبي؟”
سكتت وقالت: “هنا في البيت؟ وأنت هتعود قاعد؟”
قلت لها: “مش هتحرك من جنبك.”
قالت: “يبقى ماشي.”
هشام جه السبت اللي بعده. كان خس جداً. ما جابش معاه لعب غالية ولا هدايا ولا حاول يشتري رضاها. دخل، ولما شاف سلمى قاعدة على السجاد، ما قعدش على الكنبة… قعد على الأرض قدامها.
— إزيك يا سلمى؟
— أزيك يا بابا.
أخد نفس عميق وقال:
— أنا أسف يا سلمى… حقك عليا.
سلمى كانت بتمسح على إذن الدبدوب وقالت:
— المدرسة قالت لي إن “أسف” يعني مش هتعمل كده تاني.
هشام دموعه نزلت:
— أستاذتك عندها حق.
— أنت بتحاول؟
— كل يوم والله.
سلمى ما حضنتهوش، وهو ما طلبش ده. اتكلموا عن المدرسة، والألعاب، وعن القطة اللي شافتها في الشارع. لما الساحة خلصت، هشام قام وقال: “شكراً إنك وافقتِ تشوفيني.”
وقبل ما يخرج، بص لي وقال: “شكراً يا أحمد.”
— ما تشكرنيش يا هشام… اعمل اللي عليك، حتى لو هي ما رجعتش تعيش معاك، حتى لو ما استردتش اللي ضاع… اعمل ده عشان السلسلة دي تقف عندك وما تتنقلش تاني.
هز رأسه وفهم قصدي… أبونا، وعقابه، والأكل اللي حرمنا منه، والأبواب المقفولة من سنين.
— هتخلص عندي يا أحمد… أوعدك.
ومشي.
سلمى كانت لسه قاعدة:
— هو بابا وحش؟
السؤال فاجئني، قعدت جنبها:
— بابا عمل حاجات غلط جداً يا سلمى.
— بس هو وحش؟
— أوقات الناس بتعمل أذى وهي مش فاهمة إنها اتعلمته من أهاليها. ده مش بيعفيهم من الغلط، بس بيبقى عندهم فرصة يتغيروا لو قرروا.
— هو هيتغير؟
— أتمنى.
— ولو ما اتغيرش؟
بصيت لها وقلت:
— هتفضلي أنتِ في أمان، وده المهم.
ديسمبر جه والجو برد. بقينا نعمل سحلب، ونخبز بسكويت في المطبخ. المرة التالتة سلمى قررت إن الخبيز يوم السبت ده “عادتنا الرسمية”.
سبت الأكل في أوضتها مابقاش له لازمة. الأكل بقى في المطبخ، الثلاجة بكتفتوح عادي، مفيش خوف.
في يوم جت من المدرسة وحطت ورقة قدامي:
— أبلة الرسم طلبت نكتب جواب لحد بنحبه.
فتحت الورقة، كان فيها رسومات بمبى وموف في الجناب:
”عزيزي أونكل أحمد:
شكراً عشان بتعمل لي بيض.
شكراً عشان هنا مش بخاف أجوع.
شكراً إنك سايب أستاذ سيد يقعد جنب الشباك.
شكراً إنك بتنام على الأرض لما بيجيلي كابوس.
شكراً إنك مش بتقفل الباب عليا.
أنا بحب أعيش هنا عشان بعرف أتنفس.
بحبك.
سلمى.
ملاحظة: أستاذ سيد بيقولك شكراً هو كمان.”
قرأتها مرتين، وفي التالتة دموعي نزلت وغطيت وشي.
— أنت بتعيط يا أونكل؟
— لأ يا حبيبتي… ده تراب بس.
— لأ بتعيط!
— أنا عندي 63 سنة وأعيط براحتي!
ضحكت ضحكتها العالية… نفس الضحكة اللي سمعتها في الجنينة زمان، بس المرة دي ما اختفتش لما الباب اتفتح.
في الليلة دي، سلمى فتحت الثلاجة بنفسها، أخدت كباية لبن وبسكويتة، وبصت لي وقالت: “ممكن أعمل سحلب بكره؟”
ما سألتش هل مسموح لها تاكل البسكويتة ولا لأ… ما خافتش… أكلت وبس.
يمكن ده تصرف عادي لأي حد، بس بالنسبة لي كان إثبات إن الجرح بدأ يلم.
لسه الطريق طويل… فيه جلسات تانية، وفيه علاج… بس فهمت حاجة مهمة بعد 31 سنة شغل مع الأطفال:
الخراب العائلي نادراً ما بيبدأ بـ “وحش”… أوقات بيبدأ بحد بيكرر جملة سمعها وهو صغير: “أنا اتربيت كده”، “ده عشان مصلحتك”. وبتفضل السلسلة ماشية لحد ما ييجي حد ويقول: “لحد هنا وبس”.
أنا بلّغت عن أخويا، وكنت فاكر إني دمرت العيلة… بس مع الوقت فهمت إني كنت بحميها. العيلة مش بتبعد بالتستر على الأذى… العيلة بتحمى لما نوقف الأذى ده، حتى لو كان اللي بيعمله من دمنا.
الليلة دي، سلمى سابت أستاذ سيد على الترابيزة وبنشرب سحلب سوى. المعادي برة كان الجو فيها بيليل، وجوه البيت مفيش أبواب مقفولة بترباس… مفيش دواليب بأقفال… مفيش أكل بيبقى عقاب.
مجرد طفلة بتاكل بسكويتة من غير خوف… وده بالنسبة لي مكنش حاجة صغيرة. ده كان الدنيا كلها.





