حكايات رولا

— هو أنا مش معاقبة؟
حسيت بنغزة وثلج غريب في صدري.
— معاقبة ليه يا سلمى؟
— عشان امبارح بالليل مخلصتش العشا.
قعدت قدامها على الكرسي.
— سلمى، في البيت ده بتاكلي في أي وقت تجوعي فيه.
— حتى لو سبت أكل في الطبق؟
— حتى لو سبتي أكل.
مسكت الشوكة.
أكلت بسرعة، بس مش بشغف… بنوع من الارتياح والخوف اللي يوجع القلب.
عملت لها بيضتين كمان.
خلصتهم كلهم.
بعدها دخلت المكتب القديم بتاع منى، فتحت الدرج وطلعت أجندة قديمة كنت بكتب فيها أيام شغلي في المستشفى.
كتبت:
”خوف شديد من الأكل من غير إذن.”
”بتسأل عن عقاب له علاقة بالأكل.”
”بتأكل بسرعة رهيبة أول ما بتاخد الأمان.”
”الأب بيفرض حرمان وقسوة في الأكل بين الوجبات.”
مكنتش عارف أنا بعمل إيه بالضبط وقتها.
يمكن كنت بحاول أقنع نفسي إنني بأوفر أو ببالغ.
بعدها بساعات لقيت سلمى بتكراسات الرسم.
كانتارسمة بيت رمادي وبشبابيك صغيرة أوي. وفي شباك منهم بنت واقفة لوحدها.
— بابا بيخليكي ترسمي كتير؟
— لما بخلص كل اللي عليا.
— اللي هو إيه؟
— الواجب، وأنظف أوضتي، وأرتب الهدوم، وأفضل ساكتة…
سكتت فجأة.
— تفضلي ساكتة؟
هزت كتافها.
فسألتها عن أوضتها.
— عندي ترباس من برة الباب.
افتكرت نفسي سمعت غلط.
— من برة؟
— بابا بيقول عشان ما أخرجش بالليل.
قالتها بمنتهى العادية.
كأن كل البنات ببيوتهم بيناموا ورا باب مقفول عليهم بترباس من الصالون أو الطابق.
في اليوم ده عصرًا، كلمت نادية، أخصائية اجتماعية اشتغلت معاها عشرات المرات وأنا في الخدمة.
حكيت لها بس اللي شفته.
نادية سكتت شوية.
— يا دكتور Arturo… أقصد يا دكتور، ما تستجوبهاش. ما تحطش في دماغها كلام. لاحظ واكتب بس. بس موضوع الترباس اللي من برة ده لوحده محتاج تدخل فوراً.
يوم السبت صحيت قبل الساعة ستة الصبح.
لقيت سلمى قاعدة لوحدها في المطبخ، والظلمة كاحلة.
— ليه ما قيدتيش النور يا سلمى؟
— مكنتش عاوزة أعمل صوت.
عملت لها بليلة بالحليب وحطيت السكر على الترابيزة.
— حطي السكر اللي يعجبك.
بصت لي كأني بعزم عليها بحاجة ممنوعة أو جريمة.
بعد الضهر خرجنا الجنينة. وهي بتدور على حشرات تحت أصيص زرع، أكمام بلوزتها اترفت.
شفت خمس علامات زرقا مائلة للصفرة على دراعها.
الشكل كان واضح ومألوف جداً لعينيا.
بصمات صوابع.
ما نطقتش.
وهي كمان ما حاولتش تخبيها.
وده أكتر إحساس مرعب حسيت بيه.
طلعت كاميرتي القديمة، صورت سلمى وهي جنب الورد، ومن غير ما ألف أنتباهها، صورت العلامة اللي على دراعها.
بالليل ضفت سطر جديد في الأجندة:
”كدمات واضحة ناتجة عن ضغط صوابع بقوة. لون الكدمة بيبين إن بقالها كام يوم.”
يوم الأحد، أول ما سمعنا صوت عربية هشام بتركن برة، البنت اتغيرت قدام عينيا في ثانية.
البنت اللي كانت من ساعتين بس بتضحك من قلبها ولحد ما نفسها اتقطع وأنا بعمل لها فطاير… اختفت.
كتافها نزلت لتحت.
صوتها اتغير.
شالت الدبدوب.
— شكراً يا أونكل إنك استضفتني عندك.
الجملة كانت متقالة بتسميع ورسمية غريبة.
هشام دخل.
— عملت مشاكل؟
ما سألش حتى هي كانت مبسوطة ولا لأ.
سلمى حضنتني.
جامد.
ثانية أطول من العادي.
وبعدها طلعت العربية.
وقفت قدام الباب بقلب مقبوض وأنا شايفهم بيبعدوا.
يوم الإثنين الصبح، عملت ثلاث نسخ من كل الملاحظات والصور اللي معاي.
وقبل الضهر كنت قاعد قدام محامية أحوال شخصية.
لأني مكنتش قادر أضحك على نفسي وأقول إن اللي حصل في الأربع أيام دول مجرد “تربية شديدة حبتين”.
ومكنتش متخيل أبداً إيه اللي كنا هنكتشفه جوة بيت أخويا نفسه.
الجزء الثاني
الأستاذة مريم، المحامية، قعدت دقايق طويلة تقرأ في الملاحظات والأجندة اللي كتبتها. ولما وصلت لصور دراع سلمى، بطلت تقلب في الورق.
— لو بدأنا في الإجراءات دي يا دكتور، هشام هيعرف فوراً إنك أنت اللي بلغت.
— عارف.
— دي ممكن تقلب بحرب عائلية كبيرة.
افتكرت سلمى وهي بتسألني بخوف وتردد إذا كان مسموح لها تفطر.
— يبقى تخوض الحرب دي، مش مهم.
في نفس الثلاثاء، نادية الأخصائية الاجتماعية بدأت الإجراءات الرسمية عشان خط نجدة الطفل والمجلس القومي للطفولة والأمومة ينزلوا يفحصوا الحالة.
هشام عرف بالموضوع قبل ما الأسبوع يخلص. بس مش هو اللي جالي البيت الأول… دي كانت “شيرين”، خطيبته.
جتلي البيت على الساعة سبعة بالليل، شيك جداً، وكانت شايطة وغضبانة.
— أنت مدرك أنت عملت إيه يا دكتور؟
— أيوه، مدرك جداً.
— هشام بقاله سنين بيحاول يبني حياته ويرتبها من ساعة ما أم سلمى سابته ومشت! وأنت جاي دلوقتي عاوز تاخد منه بنته؟
— أنا مش عاوز أخد حاجة من حد.
— يبقى تسحب البلاغ ده فوراً.
عزمت عليها تدخل. دخلت وقعدت في المطبخ.
— الترباس اللي على الباب ده عشان سلمى بتتمشى وهي نايمة!
— ومين التشخيص الطبي اللي قال إنها بتتمشى وهي نايمة؟
ما ردتش.
— والأكل والعقاب اللي بالمناسبة ده؟
— هشام بيعلمها الانضباط والميعاد! البنت دي بتعرف تمثل وتلاعب الكل، لو سيبتها على براحتها هتفضل تاكل طول اليوم من غير حساب.
حطيت صينية فيها طبق حلويات وشريك على الترابيزة.
شيرين مسكت قطعة أكلتها… وبعدها أخدت قطعة تانية… وبعدين تالتة.
وهي بتتكلم معايا، لفت قطعة رابعة في منديل وحطتها في شنطتها بذكاء ومن غير ما تاخد بالها إن عيني عليها.
الحركة دي جمدت الدم في عروقي. شفت التصرف ده مئات المرات في المستشفى مع أطفال أو ناس عندهم حرمان وأمان غذائي مفقود.
— هو هشام بيتحكم في أكلك أنتِ كمان؟





